الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

بين الدولة الفاشلة والدولة الغائبة

عسى أن يكون المصير المجهول للزميلين الشورابي والكتاري رسالة واضحة بأنّ وحدها الدول الضعيفة هي التي تعتمد سياسة الانتظار والاصطبار لمعرفة مصير أبنائها.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/01/13، العدد: 9796، ص(8)]

مأساة الصحفيين التونسيين سفيان الشورابي ونذير الكتاري كامنة أساسا في أنّها نتاج “كيان ليبي” فاشل عاجز عن الخروج من فعل الثورة إلى فعل الدولة، ودولة تونسية فضلت الغياب حيال استحقاق ليبي هو في المحصلة “شأن” داخلي تونسي يمس في مقتل الأمن القومي الوطني.

فعلى مدى أكثر من 100 يوم من اختفاء الصحفيين الشورابي والكتاري في الشرق الليبي، عجزت الدولة التونسية والحكومة الليبية بمؤسساتهما الدبلوماسية وبعلاقاتهما مع ممثلي العمق الليبي من قبائل ومكونات المجتمع المدني عن الإجابة ولو عن سؤال واحد من الأسئلة الثلاثة الأساسية والمحورية لتسريح المختطفين وهي: من هي الجهة الخاطفة؟ أين مكان الاحتجاز والحالة الصحية للمخطوفين؟ وما هي طلبات الخاطفين؟

إشكالية الدبلوماسية التونسية في عهد حكومة المهدي جمعة أنّها “دبلوماسيّة مراجعة” لدبلوماسية الفوضى التي كانت عليها الخارجية التونسية في عهد الترويكا.ذلك أنّ المنجي الحامدي وزير الخارجية التونسية عمل منذ ترؤسه حقيبة الخارجية على “الانسحاب” من المستنقعات الدبلوماسية التي غرقت في وحلها الترويكا.

وأكثر المستنقعات التي تلطخت بدرنها الخارجية الدبلوماسية هي سوريا وليبيا في المقام الأوّل، بيْد أنّ وتيرة الانسحاب كانت أضعف بكثير من منسوب التورط السلبي والانخراط الأعمى في الفوضى الليبية.

على مدى سنتين كانت ليبيا الحديقة الخلفية لإخوان وسلفيي تونس حيث كانت جحافل التكفيريين المدمغجة والمؤدلجة في مساجد “النهضة” وأخواتها تتلقّى التدريب العسكري والدعم المادي واللوجستي التام في الشرق الليبي، قبل ترحيلها إلى تركيا ومنها إلى الجرح الشامي المفتوح.

عجز الحامدي عن تأمين انسحاب آمن من المستنقع الليبي، يعيد لتونس توازنها الدبلوماسي الأثيل، فإذ بالدبلوماسية التونسية تختار، على الطريقة اللبنانية في الملف السوري، “الحضور بالغياب” متمثلا في سياسة النأي بالنفس عن الحريق الليبي.

المفارقة أن في دولتين مثل سوريا وليبيا حيث تفتقر تونس لدبلوماسية ميدانية أكثر منها مكتبية، وعنقودية أفقية أكثر منها عمودية هيكلية، توجد أكبر جاليتين تونسيتين تكفيريتين في العالم، وباتت هذه الجالية المسلحة تمثل العمود الفقري للمجموعات الإرهابيّة الداعشية والقاعدية.

“الشورابي” والكتاري، سواء كانا شهيدين أو فقيدين، هما يدفعان لوحدهما فاتورة سياسة التورط الأعمى لحكومتي الترويكا في الحريق الليبي، وهما يدفعان بمصيرهما المجهول تكلفة مشروع إخواني مكلف يقدم الأمن والوطن قربانا لـ“آلهة” مشروع الخلافة.

بين كيان ليبي يقاوم من أجل كينونته، وحكومة تونسيّة تقاوم من أجل تأمين الانتقال الديمقراطي بأقل التكاليف، يحرز الإرهاب نقاط فوز جديدة بتغيير نبرة الخطاب الرسمي من “القضاء على الإرهاب” إلى “مقاومة الإرهاب”، وبين العبارتين تغيير في هوية المهاجم وفي طبيعة المدافع، وبين العبارتين أيضا دلائل عن انخفاض سقف النتائج في استحقاق الحرب على الإرهاب.

الأهم من كل ذلك أنّ الشورابي والكتاري سواء كانا “فقيدين” في فضاء المراسلات الحربية، أو “شهيدين” في عالم الصحافة الحرّة، هما يدفعان من صلبهما ومن صلب عائلاتهما فاتورة “مأسسة” الإرهاب في ليبيا، وتكلفة “التطبيع” مع الإرهاب في تونس.

فلئن استبدّ الإرهاب بمفاصل الدولة في ليبيا وسيطر على جغرافيا المكان، وبات “مؤسسة” ترمي بأذرعها شبه الرسميّة في المجالات العسكرية والقضائية والإداريّة، فإن أحزابا وجمعيات وفضائيات في تونس أدخلت أصابعها في عش دبابير الإرهاب في تونس، وسوّغت له مسوغات عديدة و“طبّعت” لمداخله ومخارجه إعلاميا وفكريا وثقافيا. ولولا أن تونس دفعت من دماء أبنائها الكثير لما أمكن لها اليوم أن تدفع بالإرهاب خارج زمانها ومكانها.

عسى أن يكون المصير المجهول للزميلين الشورابي والكتاري رسالة واضحة بأنّ وحدها الدول الضعيفة هي التي تعتمد سياسة الانتظار والاصطبار لمعرفة مصير أبنائها، وأنّ سياسة التورط الأعمي في المستنقعات الآسنة لا يستنزف فقط القوة الناعمة للدولة الثائرة، وإنّما أيضا يوهّن ويقلّل من قيمة دماء أبنائها.

كاتب صحفي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر