الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثورة الدينية المنشودة لصلاح الدين والدنيا

الأزهر انتفض بسبب كلام، لا فتوى لمجتهد، ينكر عذاب القبر، وصمت حين أفتى عمر عبدالرحمن بتكفير الكاتب المصري فرج فودة، وصمت حين قتل الرجل الأعزل.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/01/13، العدد: 9796، ص(9)]

لا يعادي الثورات، عبر التاريخ، إلا الراسخون في الجمود: القضاة ورجال الدين. يميل هؤلاء إلى تثبيت الوضع القائم، وتحصينه بأحكام قضائية تستمد قوتها، وشرعيتها أحيانا، من الدين. ومن العبث إضاعة الوقت، ومضغ الكلام لإلهاء الناس، أن نصدق جدوى دعوة الرئيس المصري الأزهر إلى “ثورة دينية”.

في هذه الدعوة، المهينة للذكاء الثوري، غلو ولغو واستهانة بتجارب التاريخ، وشروع في إعادة إنتاج الفشل والعنف، حيث يتحول “المصلحون بالأمر الرئاسي” إلى سلطة دينية تحدد ما يجب وما لا يجب.

يروي سلامة موسى في كتابه “حرية الفكر” أن الثورة الدينية البروتستانتية ما لبثت أن صارت سلطة تعيد إنتاج ما ثارت عليه، فبعد خروج جون كالفن (1509 – 1564) من أحضان الكنيسة الكاثوليكية، لجأ إلى التحريم واضطهاد المختلف، وأنشأ في جنيف مجلسا يشبه محكمة التفتيش، لمحاكمة “ضمائر الناس”، ومن جرائم “السافل المخلص كالفن” اتهام “سرفيتوس” بالهرطقة، والحكم عليه بالإحراق، فطلبت محكمة تفتيش في ليون أن تتسلم سرفيتوس “لكي يحرق في ليون. ولكن كالفن رفض تسليمه وأراد أن يرى بعينه هذا الخصم العنيد يتقلى على الجمر”.

الثورة الدينية لا أنفذها الله والشعب ستجعل الأزهر ناطقا باسم الله. لم يتساءل الرئيس عبدالفتاح السيسي: كيف تثور مؤسسة حاضنة لأفكار عنصرية تحث على التمييز، بل تعتبر ذلك جزءا من الزهو الديني، والاستعلاء على المختلف عما وقر في كتب طال عليها الأمد، ولم تمتد إليها يد المراجعة، وتكتفي باستنساخها في فتاوى منزوعة من سياقها التاريخي والحضاري؟

انتفض الأزهر بسبب كلام، لا فتوى لمجتهد، ينكر عذاب القبر، وصمت حين أفتى عمر عبدالرحمن بتكفير الكاتب المصري فرج فودة، وصمت حين قتل الرجل الأعزل، وصمت حين شهد “الداعية الوسطي” محمد الغزالي في المحكمة أن فودة “كافر ومرتد.. ويجوز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها.. وليس عليه عقوبة”.

وقد بحثت عن جذور هذا الصمت فوجدت عجبا. في الأول من صفر 1401 هجرية، 8 ديسمبر 1981، خلص مفتي الديار المصرية الشيخ جاد الحق علي جاد الحق في فتوى عن البهائية إلى هذا الاجتهاد: “أجمع المسلمون على أن العقيدة البهائية أو البابية ليست عقيدة إسلامية، وأن من اعتنق هذا الدين ليس من المسلمين، ويصير بهذا مرتدا عن دين الإسلام… قال الله سبحانه (ومن يرتدّ منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) البقرة 217.

وأجمع أهل العلم بفقه الإسلام على وجوب قتل المرتدّ إذا أصرّ على ردته عن الإسلام. للحديث الشريف الذي رواه البخاري وأبوداوود (من بدّل دينه فاقتلوه) واتفق أهل العلم كذلك على أن المرتد عن الإسلام إن تزوج لا يصح زواجه ويقع عقده باطلا سواء عقد على مسلمة أو غير مسلمة، لأنه لا يقر شرعا على الزواج، ولأن دمه مهدر شرعا إذا لم يتب ويعد إلى الإسلام ويتبرأ من الدين الذي ارتد إليه”. وصار صاحب الفتوى الشيخ جاد الحق شيخا للأزهر (1982 – 1996)، أما فتواه لمن يريد سندا شرعيا للقتل فهي متاحة على الإنترنت.

أعيد قراءة كتاب عبدالحليم محمود “الإسلام والعقل”، فأجد هذه الجملة: “وحدث في عهد سيدنا عمر أن حاول صبيغ (على وزن أمير) أن يثير بعض المسائل الدينية، معتمدا على عقله في الجدل والنقاش، فضربه أمير المؤمنين بعراجين النخل حتى سال الدم من رأسه، وزالت مع سيلان الدم هواجسه وأهواؤه”.

وخلص الإمام شيخ الأزهر (1973 – 1978) إلى أن: “الجري وراء الفكر البشري – لسان أرسطو – قاد المسلمين إلى الجهل، لأن الانصراف عن الوحي إلى الفكر الإنساني: إنما هو انصراف عن علم إلى جهل. وقاد الأمة الإسلامية إلى الاختلاف والتفرق بعد الوحدة في العقيدة والتماسك: لأن الانصراف عن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو الوحي، إلى ما يخطئ وينحرف ويضل، وهو الفكر، إنما هو انصراف عن مصدر وحدة إلى مبعث تشعب”.

لم يختلف الشيخ الشعراوي كثيرا عن عبدالحليم محمود، وفي سنوات براءتي سألت أنور الجندي كيف يرفض الشعراوي، بعد أن أصبح وزيرا للأوقاف، فكرة انتقاد السادات، بحجة أنه انتصر في حرب أكتوبر 1973، وقال: “لو أن الأمر بيدي لجعلت الرئيس المؤمن محمد أنور السادت في مقام الذي لا يسأل عما يفعل”. رفض الجندي أن أنتقد الشعراوي، وأجابني بهدوء: “يكفي الرجل دوره الكبير في محاربة المد الشيوعي!”.

ويبدو أن محاربة الفكر اليساري بأطيافه، من الناصرية إلى الماركسية، كانت جواز المرور المؤهل لرجال الدين للعمل مع السادات وخلفه إلى اليوم، فقال أحمد الطيب شيخ الأزهر: “أول نظام الأزهر تضعضع فيه هو نظام عبدالناصر، والمد الاشتراكي، ماذا تتوقع من نظام ارتمى في أحضان النظام الروسي؟ وكانت الكتب الاشتراكية تباع هنا، ونظرية ماركس، والدين أفيون الشعوب، ونقرأ النظريات.. ماذا تتوقع من نظام مرتم في حضن منكر للدين إلا أنه لازم ده الأزهر يحجم؟”.

لم يتورع الإمام الطيب، شيخ الأزهر، أن يكون عضوا في حزب فاسد مفسد يقوده مبارك وابنه، ولم يعتذر. وبعد 25 يناير 2011 أفتى بحرمة التظاهر ضد مبارك، قائلا إن طاعة ولي الأمر واجبة، ومن يعصاه “ليس في قلبه مثقال ذرة من الإيمان”. ثم كان كريما، في الشهر التالي، إذ منح ثوار ليبيا فتوى للخروج على القذافي “الغاصب المعتدي الذي فقد شرعيته”.

كان الشعراوي شجاعا، فبعد شماتته بهزيمة بلاده عام 1967، وسجوده لله شكرا: “فرحت أننا لم ننتصر ونحن في أحضان الشيوعية”، امتلك فضيلة المراجعة، وإن أخذت منحى غيبيا، بزيارة قبر عبدالناصر عام 1995، وقال إنه انتقده بسبب قانون تطوير الأزهر، وما ترتب عليه من إنشاء كليات علمية في جامعته، ثم جاءه في المنام عبدالناصر ومعه طبيب ومهندس تخرجا في الأزهر، فشهد الشعراوي بأن الرجل كان على حق، وقرأ الفاتحة ترحما عليه، ولم يذكر هذه المرة “سجدة النكسة”.

فهل نثق في “ثورة” يقودها أصحاب هذا الخيال المحدود؟

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر