الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

صحافة ما بعد قصة شارلي

صحافة تحاول أن توائم بين المتناقضات بل إنها تسير في حقول ألغام أحيانا خاصة عندما تستفز مشاعر جماعة أو تيار أو دين، وهو جدل صار أمرا واقعا ولا يراد له أن ينتهي.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/01/14، العدد: 9797، ص(18)]

مما لاشك فيه أن قصة شارلي قد هزّت عرش الصحافة ومجمل وسائل الإعلام كما لم يفعل ذلك أي حدث مدو من قبل باستثناء احداث الحادي عشر من سبتمبر، ولقد صدق من قال إنها واقعة سبتمبر الشهيرة تعود من جديد ولكن في نسخة فرنسية.

ولعلّ الجميع تقريبا لاحظوا أن الأمر لم يعد متعلقا بالجريمة والإرهاب فحسب، بل اتسع إلى موضوع حرية التعبير وإلى أي مدى يجب أن تحترم، ثم لينحرف النقاش إلى هجوم شرس على الدين الإسلامي بأنه دين متطرف لا يؤمن بالتسامح ولا حرية التعبير، وهو ما استفاضت في مناقشته العديد من الصحف ومنها صحيفة واشنطن بوست التي أفردت مثلا تغطية لهذه الإشكالية قائلة إن الإسلام هو الأكثر تعرضا للنقد في هذه القضية، بصرف النظر عن عقيدة الإرهابيين الذين ارتكبوا تلك الجريمة وأيديولجيتهم.

وانطلق الجدل محموما وصاخبا ليتعلق بمساحة الحريات الصحفية التي ناضل الصحافيون والمؤسسات الصحافية وجمعيات حقوق الإنسان والناشطون المدنيون، عقودا طوالا حتى حرروا الصحافة من قبضة السلطات ومراكز رأس المال والنفوذ، رغم أنها قضية فيها نظر إذ مازالت كثير من الصحف خاضعة لسطوة وجهات النظر السياسية ومن يمول هذه الصحيفة أو تلك.

في المقابل هنالك من يجر النقاش والجدل في الموضوع إلى مناطق أخرى، فمثلا يتساءل ” دان هودجز ” في صحيفة التليغراف البريطانية عن موقف الصحافة والرأي العام لو كان مقترفو تلك الجريمة مسيحيين وليسوا مسلمين؟ جدل يذهب بعيدا في إحالة الإشكالية برمتها إلى خانق ديني وعرقي أكثر مما هو متعلق بأزمة حرية التعبير وحدودها. النظر إلى الموضوع من زوايا أكثر إشكالية، يستبعد موضوع الحريات والمكتسبات الديمقراطية باتجاه الإسلام والمسلمين وهل هم يصلحون لهذا الزمن ولهذا السقف من الحريات؟

وهو ما يناقش جانبا منه الكاتب بوريس جونسن بأن لا أحد يرغب أو يسعى أن يكون سببا في إلحاق الأذى بالمشاعر الدينية لأي جماعة دينية، ولكن أن ننتقل مباشرة إلى الانتقام والقتل فتلك هي المسألة الإشكالية التي يستحق من خلالها ضحايا الصحيفة الموقف المساند لهم وتأبينهم.

وفي واقع الأمر إننا صرنا اليوم أمام إشكاليات تتعلق بالسقف الذي يمكن للصحافة أن تتحرك من خلاله، وهو جانب جرى تضخيمه كثيرا من طرف بعض الجماعات المتطرفة التي تقول إن هنالك أخطارا جدية في العالمين العربي والإسلامي على حرية التعبير، وإن هذه المجتمعات فيها أزمات طاحنة وخطيرة تجعل من الصعب أو من المستحيل التوسع في هذا الباب لأسباب موضوعية.

عالم الصحافة لما بعد عزاء شارلي سيقود إلى مزيد من الجدل الجاد والعملي والعميق حول سقف الحرية في انتقاد الرموز والزعامات الدينية، وماهو مقدس عند شريحة ليس كذلك لدى شريحة أخرى، ولهذا يبرز السؤال: كيف يمكن تجسير هذه الهوة؟

صحافة تحاول أن توائم بين المتناقضات بل إنها تسير في حقول ألغام أحيانا خاصة عندما تستفز مشاعر جماعة أو تيار أو دين، وهو جدل صار أمرا واقعا ولا يراد له أن ينتهي لأنه فتح الأبواب على مصراعيها لا في ما يتعلق بالإسلام ومدى تسامحه المطلق مع الحريات الصحافية، بل بجوانب إشكالية ومقاربات أخطر تقرن الإسلام بالارهاب، وهو ما استثمرته الجماعات العنصرية والمروجة للإسلاموفوبيا والذين يدعون أنه لا سبيل إلى أي حوار، فالأمر محسوم منذ زمن أن الإسلام لا يصلح للعصر ولا لمنطق الحياة الأوروبية، وإلى آخر ما يرد من تخريجات في هذا الباب.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر