الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

رقصة الدب الروسي على الصفيح السوري الساخن

عاد الدب الروسي للرقص فوق صفيح المسألة السورية الساخن، ولكن هذه المرة بنوع من المكابرة عبر تزوير الحقائق فيما يتعلق بجريمة السلاح الكيماوي في مسعى للعب دور محامي الشيطان.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2013/09/21، العدد: 9327، ص(8)]

بات من المؤكد ومن خلال المراحل والأحدث المختلفة التي شهدتها المسألة السورية طوال عامين ونصف العام من عمر الثورة أن الروس هم الذين يقودون الديبلوماسية السورية، بل هم من يتولون القيام بتلك المهام بصورة مباشرة، في وقت يبدو فيه دور مسؤولي النظام لا يتعدى دور الكومبارس في هذا المسرح، في الوقت الذي يبقى فيه الدور الإيراني محصورا في تغذية آلية القتل العسكرية للنظام وتأمين الدعم المالي والبشري واللوجستي.

القيادة الروسية التي تلقت تصريحات كيري حول تسليم ترسانة السلاح الكيماوي مقابل إيقاف الضربة العسكرية، وجدت في هذا التصريح ضالتها التي كانت تبحث عنها لمنح نفسها ومعها نظام الأسد بالتأكيد فرصة للمناورة والمماطلة والمراوغة، فسارعت لاستدعاء وزير خارجية النظام إلى موسكو وإبلاغه باللعبة الروسية، طالبة منهم أداء دور الكومبارس فيها وفقا لمقتضيات الحال ومتطلبات اللعبة الروسية.

وقد لاحظ المراقبون تلك الحركة الدراماتيكية التي اتخذتها الأحداث بعد الإعلان الروسي عن مبادرته لنزع سلاح النظام الكيماوي التي حاول الروس من خلالها إظهار طابع الجدية والمصداقية على تلك المبادرة، التي وجدت فيها الإدارة الأميركية المخرج المناسب لها من لتبرير عدم رغبتها الجدية في توجيه ضربتها العسكرية للنظام كرد عقابي على جريمة استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة الدمشقية، وإعادة الاعتبار للخط الأحمر للرئيس أوباما الذي لم يكترث به النظام بعد سلسلة من عمليات اختراقه في مناطق كثيرة أخرى. المبادرة الروسية- الفخ أرادت أن تستدرج الإدارة الأميركية والغرب إلى ماراثون المفاوضات والمباحثات حول تفاصيل الاتفاق والصيغة الأنجع لجعل النظام أكثر التزما بها. وعندما وجدت الإدارة الروسية من خلال مباحثاتها مع الأميركيين والغرب أن عملية الوصول إلى صيغة تصبح معها الضربة العسكرية المحتملة للنظام لا تستند إلى أي أساس شرعي صادر عن مجلس الأمن، عادت لتلوح بالفيتو الروسي الصيني من جديد من خلال رفضها لما يمكن أن تنص عليه المبادرة الفرنسية في مجلس الأمن من إجبار للنظام على تنفيذ بنود الاتفاقية من خلال صدورها تحت البند السابع. عاد الروس لاتهام تحقيق فريق التحقيق الدولي الذي زار المناطق المنكوبة بالكيماوي قرب دمشق بأنه تحقيق مسيّس ومنحاز، بل ذهبوا أبعد من ذلك في تلك اللعبة التي اعتادوا عليها عندما تحدثوا عن وثائق ومستندات يمتلكونها، تؤكد أن من استخدم السلاح الكيماوي في الغوطة هم المعارضة السورية. وعلى الرغم من أن هذا الموقف الروسي المكشوف في أهدافه ونواياه يحاول أن يقفز فوق جميع الحقائق والدلائل التي تثبت تورط النظام في استخدام الكيماوي، إلا أن الروس كعادتهم يحاولون خلق الذرائع وخلط الأوراق لكي يبرروا انحيازهم للنظام وسعيهم لتبرئته من جرائمه الكثيرة ومنحه ما يكفي من الوقت لكي يتمكن من تحقيق اختراقات عسكرية على الأرض تمكنه من تعديل ميزان القوى لصالحه، وهو ما يؤكده حجم القصف الذي بدأ به النظام وقوته إثر المبادرة الروسية، إضافة إلى ارتفاع عدد الشهداء بصورة واضحة قياسا بالمرحلة التي تصاعد فيها الضغط العسكري الأميركي على النظام حيث انخفض عدد الشهداء إلى أقل من النصف عما كان عليه الحال قبل ذلك وبعده. استطاع الروس من خلال هذه المبادرة أن يمتصوا زخم التوجه نحو الضربة العسكرية، ما أثّر على عملية تهيئة الرأي العام الغربي لها بهدف تغيير المزاج الرافض للحرب. كذلك استطاع الروس عبرها أن يستجروا الأميركيين والغرب المترددين في مواقفهم إلى إغراقهم في لعبة التفاصيل بعد أن حاول الروس الإيحاء إلى الغرب وأميركا بجدية التغيير في الموقف الروسي. من الأسباب التي جعلت إدارة بوتين تغير موقفها من النتائج التي توصلت إليها التحقيقات التي قامت بها لجنة التحقيق الدولية، أن تلك اللجنة على الرغم من أنها غير مخولة بتحديد من استخدم السلاح الكيماوي في الغوطة توصلت إلى كثير من الدلائل المادية التي تثبت تورط النظام، وهو ما كان الروس والنظام يعتقدانه أن القصف الشديد والمتواصل طوال خمسة أيام لتلك المناطق بعد استخدام السلاح الكيماوي قد أدى إلى محو الكثير من الدلائل على الأرض. وهنا يمكن أن نشير إلى تنبه المعارضة المسلحة في تلك المناطق لضرورة الحفاظ على الوقائع والدلائل المادية على الأرض لاسيما ما يتعلق بالصواريخ التي استخدمت في عملية القصف، ما ساعد المراقبين كثيرا على تحديد نوعية القذائف المستخدمة واتجاهات المصادر التي جاءت منها بحيث شكلت قرائن علمية يصعب القفز فوقها، وهو ما كشف عنه تخبط الإدارة الروسية في تصريحاتها قبل وبعد صدور قرار المراقبين الدوليين.

لقد عاد الدب الروسي للرقص فوق صفيح المسألة السورية الساخن، ولكن هذه المرة بنوع من المكابرة عبر محاولة تزوير الحقائق والوقائع فيما يتعلق بجريمة استخدام السلاح الكيماوي في مسعى للعب دور محامي الشيطان، الذي يحاول جاهدا تجميل الوجه الفاشي والدموي لنظام الأسد بهدف الحفاظ على دوره في أي عملية سياسية مقبلة تكفل له الاستمرار والبقاء، وتحول دون حتى في حال قبول الروس بتنحيه عن السلطة وعدم التعرض للمساءلة من قبل محكمة الجنايات الدولية، باعتبار أن هذه الجريمة تعد من الجرائم ضد الإنسانية التي تستدعي محاكمة مرتكبيها أمام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.

هذا الموقف الروسي الذي وجد في الموقف الغربي وموقف الأمين العام للأمم المتحدة إصرارا على معاقبة الفاعل، اكتشف أن جهوده لإعادة تأهيل نظام الأسد باعتباره نظاما يمتثل للشرعية الدولية من خلال تخليه عن ترسانته الكيماوية، ولجعله طرفا معترفا به في مفاوضات الوصول إلى أي ترتيبات لتدمير تلك الترسانة، مما يمكنه من استعادة دوره الفاعل في عملية تسوية مفترضة وهو ما يحاول جاهدا عسكريا أن يفرضه على الأرض.

هذا الرقص الروسي يتوقف نجاحه أو فشله على مدى جدية الموقف الأميركي والفرنسي البريطاني، ورفضه لأية عملية مماطلة أو للاستغراق في قضايا جدالية يسعى الروس لجر هذه الأطراف إليها بغية حرف الموقف الغربي من الضربة العسكرية عن جعله الخيار الثابت إزاء أية عملية تسويف ومماطلة وتضييع للوقت من الجانب الروسي، لأن ذلك سيجعل اللعبة الروسية قادرة على الوصول إلى أهدافها، وبالتالي تصبح قادرة على إنقاذ النظام من عقاب الضربة العسكرية ومن الحساب الدولي على جرائمه ضد الإنسانية في آن معا.

كاتب وصحفي سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر