الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

هويات ضائعة

ظاهرة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في القرن 19 عبّرت عن تفاعل إيجابي مع الحضارة الغربية والحداثة، لكنها لم تستطع أن تستكمل تطوّرها.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/01/22، العدد: 9805، ص(15)]

حالة النكوص والارتداد إلى ماض طهراني متخيل، كما تعبر عنها تيارات الإسلام المتطرفة والسلفية، هي في جوهرها تعبير عن حالة عجز عن مواجهة تحديات العصر الراهن من جهة، وعن شعور مأزوم بانسداد أفق المستقبل من جهة ثانية.

فهل بات العرب اليوم خارج التاريخ حتى يلقوا وراءهم بتطلعات ونضالات أجيال طويلة، من أجل الحداثة والتقدم وبناء الدولة المدنية، أم هم مجرّد ضحايا أوهام تاريخ أرادونا أن نراه، كما يريدون لنا أن نراه، للتعويض على حالة الإفلاس والتردّي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي التي نعيشها اليوم، لكي نبحث عن مستقبلنا في ماضينا؟

قبل أن تبرز هذه التيارات الإسلاموية وتتسيّد المشهد العربي، حاول الفكر القومي في نسخته البعثية على وجه الخصوص تحقيق نوع من المزاوجة بين الإسلام والفكر الحديث، لكنه انتهى إلى الاستبداد والفشل في تحقيق أهدافه لأسباب فكرية وسياسية واجتماعية، في مقدمتها تلك الرؤية المثالية التي انطلق منها في مقاربته لموضوع الإسلام، ومحاولة التلفيق على مستوى العلاقة بينه وبين معطيات الفكر الغربي الحديث، وقد شكل هذا الفشل عاملا مهما من عوامل بروز هذه التيارات الإسلاموية المتشددة، واتساع مساحة تأثيرها على الجيل الجديد من المسلمين بعد خيبة الأمل تلك.

صحيح أن ثمة عوامل موضوعية أثرت في هذا السياق، تتعلق بسياسات الغرب تجاه العالم العربي والإسلامي، ودعمها لأنظمة الاستبداد والفساد التي رعت مصالحه على حساب شعوبها، وقامت بنهب ثروات بلادها، لكن العوامل الأساسية تكمن في علاقتنا بالإسلام ودور المؤسسات الدينية والفقهية، ومحاولة رجال الدين الهيمنة على المجال العام بغية بسط سيطرتهم وسلطتهم على المجتمع، وتحويل أنفسهم إلى مرجعية مطلقة في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، وقد ساندهم في ذلك تغييب العقل والمرجعية الثقافية والسياسية عند شرائح واسعة من المجتمع، فأوكلت شؤون دنياها كاملة لهذه السلطة، دون أن تعي أن معطيات الحياة الجديدة والحداثة تتطلب وعيا عصريا يستوعب هذه المتغيرات المتسارعة، ويكون قادرا على تطوير آليات فهمه وتفكيره، قبل أن يجعل من نفسه وكيلا حصريا للسماء على الأرض.

ظاهرة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في القرن 19 عبّرت عن تفاعل إيجابي مع الحضارة الغربية والحداثة، لكنها لم تستطع أن تستكمل تطوّرها، نظرا لاختلاف السياق التاريخي والسياسي والفكري، ولا سيما بعد الاصطدام الحضاري والسياسي بالغرب بعد سيطرة الاستعمار على العالمين العربي والإسلامي، ما جعل الحداثة ومرجعيتها موضع شبهة، إن لم يكن قد جعل العلاقة معها علاقة صراع، ما زالت تداعياتها حاضرة في الوعي الجمعي نتيجة السلوك الاستعماري للغرب.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر