الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

ورطة الناقد

العديد من الكتاب أو الكاتبات لا يخفون عداءهم للناقد، ولا يتوقفون عن الهجوم عليه والاستخفاف به حتى وصل الأمر ببعضهم إلى اعتباره عالة على الإبداع.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/01/29، العدد: 9812، ص(15)]

مع تعدّد المناهج النقدية الحديثة وتفرعاتها الكثيرة تبدو محاولة الناقد المتابع والجادّ للإحاطة بكل هذه المناهج مهمة صعبة، ما يعني أن خيارات الناقد غالبا ما تخضع لاعتبارات ذاتية وموضوعية في آن معا، تتعلق بميوله وخلفيته الفكرية وإدراكه لقدرة هذا المنهج في تحقيق القراءة الناجعة للنص وفك شفرته وتحليل مكوناته.

هذه العلاقة تجعل البعد الذاتي حاضرا في هذا الاختيار، وبالتالي فإن المقاربة النقدية لأي نص لا بدّ أن يكون حاضرا فيها شيء من هذا الذاتي. لذلك فإن مهمّة الناقد الصعبة هي تقليص مساحة حضور هذا الذاتي في أيّة قراءة لكي يستطيع النقد تحقيق أهدافه بموضوعية تسهم في تعميق العلاقة بين الناقد والنص.

التحديات التي يواجهها الناقد عديدة، بعضها يتعلق بالنص، وبعضها يتعلق بالآخر- الكاتب أو الكاتبة حيث العلاقة بين الطرفين لا تزال تعاني من غياب الثقة والودّ لسببين اثنين؛ أولهما يتعلق بممارسات بعض النقاد وقدرتهم على الالتزام بأخلاقية العمل النقدي وحياديته وبعده عن التوظيف الخاص أو العلاقات العامة، والثاني يتعلق بالمبدع وقدرته على تقبل الرأي النقدي مهما كان سلبيا في عمله.

العديد من الكتاب أو الكاتبات لا يخفون عداءهم للناقد، ولا يتوقفون عن الهجوم عليه والاستخفاف به حتى وصل الأمر ببعضهم إلى اعتباره عالة على الإبداع. هذا المستوى من فقدان الثقة بين الكاتب والناقد يجعل العملية النقدية فاقدة لتأثيرها على الحياة الأدبية والثقافية، ويلغي أيّ دور للحوار والتفاعل بين العمل الأدبي والناقد، لأن النقد هو حوار بين الناقد والنص بأدوات ومفاهيم محددة.

إن غياب الثقة والاعتراف بأهمية هذا الحوار في إغناء التجربة وتعميق رؤاها وأدواتها وقيمها الجمالية والفنية، يجعل الكتابة خارج الكشف والتحليل لاكتشاف عناصر قوتها أو ضعفها، لكن المشكلة الكبرى تتمثل في موضوعية الكاتب-الكاتبة وقدرته على تقبل النقد غير الاحتفالي، عندما يجد الناقد أن ثمة ما يجب أن يقال سلبيا في نصه. غياب الموضوعية سببه تضخم الجانب النرجسي عند الكاتب-الكاتبة واعتباره كل نقد لا يلبي رغباته هدفه النيل منه ومن تجربته.

في ضوء هذه العلاقة المختلة وعدم الاعتراف بوظيفة النقد وأهميته تتجلى ورطة الناقد مع إصراره على ممارسة عمله بعيدا عن الخضوع لهذه الاشتراطات التي يفرضها الواقع الثقافي وموقف الكاتب-الكاتبة من النقد، الأمر الذي يجعله ضائعا بين الإخلاص لمرجعياته ورؤيته المنهجية، وعدم الرغبة في كسب المزيد من العداوات والمعارك المجانية التي تعدّ المظهر السلبي لأية ثقافة كانت.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر