الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

مصر ولعنة الجغرافيا

النافخون في نار جغرافيا الخراب والإرهاب يريدون إخراج الدول الإقليمية الكبرى من 'التاريخ'، وتحويل أرضها إلى مجالات تمدّد، وناسها إلى سوق استهلاكية مربحة لتجارة السلع والأفكار وحتى 'الرقيق الأبيض'.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/02/03، العدد: 9817، ص(8)]

أن يصرّح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بأنّ الحرب على الإرهاب المتغلغل في سيناء طويلة وشاقة، وأنّ فرع “داعش” في شبه جزيرة سيناء قويّ وناجح، فمعناه انخراط مصر، رسميا، في الحرب ضدّ الإرهاب، بما يحمل هذا القرار من تحمّل القاهرة لجروح الاستنزاف ودماء الاستهداف.

تدرك القاهرة أنّ “تصعيد” الإرهاب لعملياته في سيناء يسعى إلى سحب مشهد الدمار والخراب في سوريا والعراق وليبيا إلى مصر، قصد تحويل “اللاعبين” الإقليميين إلى ملعب استراتيجي للاعبين الكبار في “لعبة الأمم”. كما تدرك القاهرة أنّ “نموذج” الاستقرار السياسي والاقتصادي دون “تشريك” الإخوان مرفوض لدى “الوكلاء” الإقليميين، تركيا وقطر، للأصيل الدولي في واشنطن، كما تعلم أنّ “الإرهاب” صار أداة لتطويع العواصم العربية “المنفلتة” لإجبارها على دخول “بيت الطاعة”.

كما تعي دوائر اتخاذ القرار في القاهرة أنّ المنحى التصاعدي للعمليات الإرهابية تزامن مع المنحى التصاعدي للاستحقاقات المحلية المصريّة من انتخابات برلمانية مقبلة إلى مؤتمر للاستثمار العالمي في مصر. كما تقرأ القاهرة الخط الصاعد للتفجيرات الإرهابية المتلاصق مع “الخط” الصاعد للدبلوماسية المصرية من سوريا إلى ليبيا ومن الصين إلى روسيا، حيث تشهد العلاقات المصرية الروسية خاصة في المناحي العسكرية طفرة ملحوظة.

هي رسالة مضمونة الوصول من الإرهابيين إلى القاهرة بحتمية الانغماس في المستنقع المحلي المثخن بالدماء، الغارق في وحل الأزمات السياسية والاقتصادية، وعدم التطلّع إلى أدوار إقليمية ودولية تعيد لمصر ثقلها “الجيواستراتيجي” في المنطقة العربية.

في المقابل، تصرّ القاهرة على “كسر” المحاظير والمحاذير الأميركية في الشرق الأوسط، من حيث ربط علاقات استراتيجية مع موسكو وبكين والدخول “الإيجابي” على خط الأزمة في سوريا، وعدم تقديم أي ضمانات لأمن إسرائيل على حساب المصالح العربية.

اللافت في المشهد المصري، أنّ “البديل” السياسي للنظام يقع التحضير له في أنقرة عبر إعادة الروح للبرلمان المخلوع، وفي الدوحة عبر تركيز قناة الجزيرة على وجوه سياسية مفلسة خبرها الشعب المصري، وفي واشنطن التي احتضنت قبل يومين لقاء بين وجوه إخوانية مصرية وممثلين عن الدبلوماسية الأميركية، وفي ليبيا حيث يقع التحضير لجيش ميليشيات يحمل اسم “الجيش المصري الحرّ”، وليس انتهاء بالسودان، الجرح المفتوح لمصر وللأمة، الداعمة للجماعات الإرهابية في ليبيا.

بَيْدَ أنّ الأخطر كامن في “لعنة الجغرافيا المحترقة” التي تعتمدها الجماعات الإرهابية في ضرب الأمن القومي للدول العربية. فكما تمّ استهداف سوريا عبر الجغرافيا التركية، وكما تمّت استباحة ليبيا عبر الجغرافية المصريّة زمن الإخوان، فإنّ “الجغرافيا” الملتهبة تطوّق مصر من ثلاث جبهات.

فمن فلسطين المحتلة حيث تشكّل الجماعات الصهيونية عمقا استراتيجيا للجماعات الإرهابية نظرا إلى التشابك الاستراتيجي المشترك في ضرب الدول الوطنية واستهداف اقتصادها ومقومات نهوضها، إلى غزّة حيث لا تزال حماس، على الأقل الجسم المرتبط عضويا بتركيا وقطر، تراهن على قلب الطاولة على نظام ثورة 30 يونيو، ومنها إلى الشرق الليبي المصادر بالكامل من “داعش ليبيا” والذي يمثّل “دويلة تكفيرية” يهدّد بتحويل شمال أفريقيا إلى منطقة فاشلة بالكامل، وليس انتهاء بـ“جبهة الساحل الأفريقي”، حزام مصر الخلفي، التي استباحتها “لوثة” الإرهاب الداعشي، دون أن ننسى السودان الحديقة الخلفية للمحروسة الذي باتت إسرائيل تسيطر استراتيجيا واقتصاديا على نصفه الجنوبي وعلى ربعه الشمالي الغربي المتاخم للحدود المصرية.

يريد النافخون في نار جغرافيا الخراب والإرهاب، إخراج الدول الإقليمية الكبرى من “التاريخ”، وتحويل أرضها إلى مجالات تمدّد، وناسها إلى سوق استهلاكية مربحة لتجارة السلع والأفكار وحتى “الرقيق الأبيض”، في المقابل تقف القاهرة بعمق استراتيجي خليجي معتبر، وعمق استراتيجي آسيوي واعد أمام إكراهات الجغرافيا وابتزاز “سارقي التاريخ”، وأمام مقايضة هي الأسوأ في تاريخ العرب بين “مزيد إشعال الجبهات” وبين “التطبيع مع الميليشيات”، فكيف سيكون الخيار ولمن سيؤول القرار؟

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر