الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

حدائق عراقية بائدة

العراق حديقة خلفية لإيران وأميركا، وصفة الحديقة لا تنطبق مع رؤيتنا كشعب، لكنها حديقة غناء ومثمرة أتت أكلها في زرع الانقسامات.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/02/03، العدد: 9817، ص(9)]

الكارثة التي حلت بالعراق وتفاقمت بالاحتلال وتفجرت بالمحاصصة ومداخلات الثأر والانتقام وردود الأفعال تنسحب إلى المستقبل ولا يمكن إيقافها بنظام ديمقراطي مهلهل من زمن المعارضة إلى استلام السلطة هدية من المحتل “الديمقراطي”. فالمعارضة التي “ناضلت” مع إيران ومع المخابرات المركزية الأميركية ومع كل من في قلبه عداء تجاه العراق أو حكامه، كانت تفتقد سمات حتى شبه الديمقراطية. بل زعماؤها دكتاتوريون في نزعاتهم المطلقة أو شبه المطلقة على أحزابهم السياسية أو الدينية أو المافيوية، ومصابة بتكلس الفقرات في أعمدتها الفقرية.

حكاية صندوق البندورة وفتحه في العراق، سبّبا سيلا من تعميمات لا حصر لها في الأفكار والمعتقدات والغباءات المعتمدة ولا يمكن أن أقول الثقافات، لأن الثقافة إشكالية تتعلق بتراكم الخبرات والمعلومات والسلوك أيضاً. جذر البلاء في العراق هو استحالة الديمقراطية بين مجموعات دينية ومصالح تجارية وكراسي مخابراتية لأجهزة تنصت داخلية وخارجية، وما نخسره اليوم برحابة صدر ندفع مقابله دما وأجيالا حتى نستعيده.

الحاكم في واجهته الأمامية يعرض بدلته الحضارية أو اقتباسات من عصره أو انتماءات كلاسيكية إلى بلدان تغربه وتغوله، فإذا ما استدار رأينا حاشية من المنافقين وأزياء من زمن آكلي لحوم البشر إلى قارضي شعبهم تتعلق بحقيقة الحاكم، عفوا، بحديقة الحاكم الخلفية التي تدير البلاد وتحرك قوى الليل والنهار أيضا. وقع الجميع في مطب التدليس في الخفاء والعلن، ومن يعرف الأحاديث في البرلمان وغيره خارج الجلسات العلنية وبعيدا عن المؤتمرات والميكروفونات ومقابلات الإعلام، يدرك هول الفجوة بين الواجهات و“كراكيب” خبث السياسة والمصالح في النيات المبيتة والحقيقية.

هكذا العراق حديقة خلفية لإيران وأميركا، وصفة الحديقة لا تنطبق أبدا مع رؤيتنا كشعب، لكنها حديقة غناء ومثمرة وأتت أكلها في زرع الانقسامات داخل البيت الواحد، وطرحت ثمارا جهنمية لأهل البلاد النائمين في درج ملفات المنافع الاستعمارية.

أصبحت المسافة قريبة بيني وبينكم لنصل إلى غاية مقالنا، وهي أن لا مستقبل لدولة تصنع لها أعداء من شعبها بجملة واحدة (أتباع النظام السابق). وشخصياً التقيت في حياتي بهؤلاء الأتباع المتناثرين والمزروعين بعد كل جولة حكم بائدة في العراق.

السؤال متى تكون لنا دولة لا تستهزئ بالقانون، ولن يكون لها إعلان مدفوع الثمن تذبح في تبعياته كل قوانين الإنسانية، ويصبح مقصلة للخصوم ويوضع على طاولة التقارب في المصالح بين الدول المتنازعة على حدائق النفط والاستراتيجيات القريبة والبعيدة المدى مع نزوع صارخ لإعادة الإمبراطوريات القديمة بواجهات طائفية، لن تؤدي إلا إلى غياب صورة الدولة العراقية وكثير من التشفي بها وبإدارتها من قبل المعاقبين لأسباب حزبية وسياسية.

لا يمكن التكيّف مع الموت والجريمة المدعومة بأكاذيب وذرائع مختلفة من الدولة وتسخير للسلاح بين مجموعات تهابها أو تتواطأ معها الشخصيات الحاكمة، أو تهيئ لها المسوغات القانونية للإبقاء عليها كأدوات تحت اليد في التصفيات الوطنية وقت الحاجة، وكثير منها مرتبط بأموال وأفراد يمثلون دولاً. الواقع يؤكد أننا في مهب إزالة البيت ودمج الحدائق بكل ما تحويه، إذ لم تعد هناك حاجة لبيت العائلة العراقية، إنما فقط مساحات للقمامة وتسويقها بماركات وعلامات أو حتى دون مصدر، قد تلاقت الإرادات على قضم العراق وإفراغه من محتواه القديم كشعب ضمن حدود دولته المعترف بها قديما.

في العراق كثيرا ما تسمع حتى في الشارع مقولة “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، وستثبت إدانته بمختلف التهم وينتهي به الأمر إلى الاعتراف بأن أمه المرحومة منذ الستينات كانت إرهابية تفخخ السيارات وموتها كان بسبب خطأ فني.

في المجتمعات الديمقراطية الخالية من فيروسات الأوبئة العراقية تسمع ذات المقولة لكن “المتهم مشبوه حتى تثبت براءته” وإلى أن تثبت براءتي من نفايات الفكر البشري، أعود إلى صديق افتقدته وأحن إليه، لكن لن يعود هو وأبوه وجده لأنهم كانوا من أتباع الحكومات البائدة المتعاقبة، ربما أزوره يوماً في حديقته.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر