السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

حكومات العراق والمرهم السنغافوري

من ينسى من شعبنا مآسي المراجعات الحكومية والهم الإنساني المرتبط بها، وكم من موظفين اغتنوا في العراق لأنهم عملوا في دوائر الضريبة أو الجمارك أو غيرها.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/02/11، العدد: 9825، ص(9)]

لا أمتلك معلومات دقيقة عن المشاركة العراقية في قمة “حكومات المستقبل” أو ما يعرف بالقمة الحكومية في دورتها الثالثة، وهي تُعنى بمصافحة الغد وكيفية التعاطي معه والاستعداد له لبناء واقع يتسم باستخدام التقدم البشري في خدمة السياسة الوطنية، وأيضا جدوى التعاون بين الحكومات. والفكرة أن العالم يشترك في مؤثرات الأزمات من الاقتصاد، النمو السكاني، الطاقة، الفقر، المناخ والأوبئة، وذلك يحتاج لجهود دولية واستحداث لغة مختلفة تؤدي إلى بيئة صالحة للإبداع الإنساني بما يخدم الإنسان ويسهم في عدم إضاعة طاقاته وأحلامه، وذلك دعامة رئيسية للاستقرار.

وبما أننا شهدنا، ومازلنا، تداول مفردة الذكاء وربطها بالتكنولوجيا المتفوقة في الاتصالات أو الروبوتات الصناعية العملاقة، أو حتى في الاستخدامات العسكرية ومنها الصواريخ التي سقطت بقليل من الغباء وكثير من الذكاء على بيوتات الآمنين والأبرياء من شعبنا في حروب الدول الذكية ومنتجاتها العابرة للعقول التي تشترك في قمة دبي. وكي لا نبتعد عن جوهر معاناتنا في العراق من عدم وجود حكومة إلكترونية تسهّل وتدعم العمل الإداري في الوزارات والهيئات الداعمة لحركة مجمل النشاط العام والخاص، كنت قد كتبت مطولا عن عدم وجود تراتبية تطور لآليات بسيطة تؤدي غرض التسريع بهدف الوصول لما نبتغيه من دخول المؤشرات السبعة في تسلسل الصعود إلى أعلى سلم الجودة الإلكترونية للحكومات المتنافسة في سباق الاستخدام الأمثل لكفاءة شبكات الاتصال، وزيادة أعداد المستخدمين للإنترنت والأجهزة الخلوية المستندة إلى بنية تحتية ومهارات وخبرات إدارية.

وحتى لا تهرب عيون المتلقي من الفائدة في الموضوع، أختصر مفردة الفساد الحكومي وقضية الرشاوى والواسطة والمحسوبية والاحتمالات والرغبات الشخصية والحالة النفسية وإهانات المراجعات الخالدة في ذاكرتي وذاكرة المواطنين والطوابير، أو الاستنجاد بالمعارف والزيارات الخاصة للموظفين خارج الدوام الرسمي وكل مصائب الإدارة في العراق، كل ذلك نضعه في مفرمة وعاء الحكومة الإلكترونية بما يشبه مجموعة “ست البيت” في المطبخ العائلي لمساعدة ربة البيت في اختصار الوقت والقيام بأداء مميّز، يجعل تحضير الطعام فكرة سعادة ولمّ شمل على طاولة فيها الذوق مع قلة الإنفاق وجودة وتنوع، وأكثر انسجاما وتنظيما لعدد من أفراد الأسرة وأعمارهم ومتطلباتهم.

في العراق، إلى حد هذا اليوم، الإدارات تعتمد الأضابير والملفات وكل دائرة تخصص الرفوف والصالات لأرشيفها، ومنه التالف أو المعرّض للتجاوزات أو الإهمال المتعمّد أحيانا بتجاوزات كما حدث من حرق وسلب وتلاعب، وصل حد تسجيل عقارات معيّنة بأسماء سلطوية أو متنفذة أو مافيات دلالي عقار وغيرها، ومع إحصاءات بسيطة يمكن الاستدلال على القضايا المحالة إلى المحاكم وأرقامها المهينة لأي إدارة، والخفايا طبعا لا تعد لكنها حقائق صارخة.

هل رأيتم إدارة تمتلك أدنى مهنية، تسمح للمراجعين بأن يتجولوا حاملين أضابيرهم ومعاملاتهم على اختلافها في أروقة الموظفين مع كل ما يمكن أن يحدث بين الطرفين؟

ومن ينسى من شعبنا مآسي المراجعات الحكومية والهم الإنساني المرتبط بها، وكم من موظفين اغتنوا في العراق لأنهم عملوا في دوائر الضريبة أو الجمارك أو غيرها.

السؤال الأهم، لماذا لا تعتمد فكرة الاستعلامات الإدارية في كل دائرة أو مؤسسة لإلغاء المراجعات نهائيا، وهي جهاز بسيط لاستلام رقم خاص بالمراجعة يمنع التدافع ويلغي الطوابير والمعارك التقليدية للخارجين عن النظام مع موظف خلف شباكه يسلم المراجع التعليمات المطلوبة، يكملها المراجع ليسلمها إلى موظف آخر، يتأكد منها ويعطيه رقما بيوم الاستلام لا غير، هكذا بدأت تراتبية الحكومات الرائدة في مكافحة الفساد والأهم احترام الإنسان أو ما يعرف بالمواطن.

للموضوع صلات، أكثر عمقا ولها أهمية تعادل إعادة فهم التطبيقات للأفكار والرؤى والمفاهيم المتجددة في الفكر المتقدم لإدارة حياة المجتمعات، وأهمها الإدارة الحكومية.

أحبتي هل تذكرون في العراق، في بغداد بالذات، وفي باب المعظم وليس حصرا، المنادي الذي كان يبيع في الستينات والسبعينات علب مرهم صغيرة تشبه “الفازلين” وبأسلوبه البهلواني للمهرج الضاحك الباكي “هذا مرهم سنغافوري يرهم الكل علة، للمرض يندله، للألم، للدوخة، للي إيخاف من مرته، للقسمة والنصيب، للظهر، للبطن، للرأس، للقلب يابه”، وكان يختمها ضاحكا دون حذر، “للعنده مراجعة بدوائر الدولة”، وللحقيقة كانت الناس تدري أن لا نفع منه إلا لترطيب الجلد ورائحته النفاذة، لكنها تشتري لأنه يحمل آمالا لها، رغم اليأس المسبق لأنه مرهم سنغافوري، وهي دولة لا علاقة لها بأي كلمة مرادفة للتقدم.

اليوم سنغافورة، تحتل المرتبة الأولى في مؤشر الحكومات الإلكترونية المتطورة وتتقدم على أميركا التي تأتي ثانيا، وبريطانيا خامسا. نصيحة لحكومة العراق أن تبدأ.. ولو بمرهم سنغافوري!!

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر