الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

اتحاد دول 'الدوبلير' اللامتحدة

العراق ودول كثيرة تتدحرج من أعلى السلم إلى أسفله، وسيعيد المخرج العالمي اللقطة عدة مرات إلى أن يعتقها من عبوديته.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/02/20، العدد: 9834، ص(9)]

الممثل البديل أو ما يسمى بالدوبلير في السينما يؤدي الأدوار بـ”لا وجه” نيابة عن الممثل الذي يؤدي دوره، دون مواقف صعبة قد تسبب الأذى الجسدي، وفي الأفلام الحديثة يشارك عشرات المغامرين وأصحاب المهن الخطرة في تنفيذ المشاهد المثيرة، ومنها حوادث السيارات والمطاردات والسقوط من الأماكن العالية، وتحضرني أفلام عربية، وأقصد بها مصرية طبعاً لأن مصر كانت في مقدمة الدول التي تختصر صورة العروبة وآمالها في التحضر والانفتاح على العالم. السينما المصرية استخدمت الممثل البديل، وتناولت الفكرة في الكوميديا والدراما.

السينما العالمية أنتجت فيلم “البديل” الذي أداه بيتر أوتول ومايكل يورك، وتابعنا الأساليب ووسائل التحفيز والإقناع لتكون المشاهد أكثر صدقاً، رغم صعوبة تصديقها في الواقع، هنا دور السينما في إخراج السيناريو بدقة تعطي الانطباع أنه يمكن أن يحدث هذا في لحظات الجنون. عدد من البدلاء خسروا حياتهم أثناء تنفيذهم لأدوار في أفلام تجلب واردات كبيرة.

الأعمال البديلة سرت في حياتنا حتى تحول الأمر إلى الدول، فهناك دول الإنابة، وشعوب الإنابة، والحروب بالإنابة، والقتال بالإنابة، والموت بالإنابة، وكذلك السجن والأمن والتعبير، إلى الكثير من فعاليات عالمنا المعاصر، حتى أصبحت دنيانا جزءا من سينما عنف وغموض وشك، وأحداث تلقى رواجاً إعلامياً وتستحوذ على التحليلات السياسية والأخبار، ضمن مدار اليوم بماكنة لن تتوقف في قضم التداعيات المثيرة، إنما تتعداها إلى صناعة مهولة للعنف.

فالتنظيمات الصغيرة التي نشأت عام 1986 في أفغانستان إثر التدخل العسكري السوفيتي، ظلت قاصرة عن التأثير الفاعل في المنطقة والعالم، إلى غاية 11 سبتمبر حيث أطلق التغول الأيديولوجي الديني في الأرض، وبالذات بعد احتلال أفغانستان وثم العراق.

المشهد الآن في العراق حطام دولة، سوريا بقايا دولة، ليبيا حالة يرثى لها، اليمن وفيلمها التاريخي، امتدادات الأحداث في لبنان، وأحداث متفرقة في أوروبا وردود فعل متباينة، وآلاف من الشباب يتوافدون تحت تسميات متبادلة، فمن يسميها المجموعات التكفيرية، أو المتشددة أو اختصارات في الحروف، ولا ننتبه أن اندفاعات لا علاقة لها بالجغرافيا تخرج هنا وهناك، من نيجيريا والجزائر والتدخل الفرنسي في مالي ضد الجماعات المسلحة. كل ذلك نجمعه في فكرة الدوبلير أو الممثل البديل، وتحت سمع وبصر العالم تجري الإمدادات، وهذا ما يجب أن نتوقف عنده، لأن كلمة الإرهاب لا يمكن تقسيمها، إرهاب صديق وإرهاب عدو، أو إرهاب نغض الطرف عنه وإرهاب نعد له القوات الجوية ونوجه له الضربات، وإرهاب آخر نتجادل حوله ونسوغ له الأفعال تحت يافطات دعم الديمقراطية. صدم العالم الغربي بآلاف الشباب من الجنسيات الأوروبية يتوجهون إلى القتال في المنطقة، وجاءت حادثتا شارلي إيبدو وكوبنهاغن لتؤكدا أن المخاطر مقبلة من داخلها. ولأننا، شعوب وحكام، نتصرف كبدلاء في أدوارنا فنحن نتقاسم التفتيت ونتصارع فيما بيننا ونقتل بعضنا ونهجر إخوانا لنا، ونتعاطى تأجيج الاختلافات في السياسة ونخطط لخرائط دول الطوائف، ونستحلب أسوأ ما في التاريخ ونصنع منها ديناصورات خلافات.

هناك من لا يبذل جهدا، ويضع ساقا على ساق ليشاهد عويل الحروب الداخلية تمزق أعداءه، دون أن يتكلف عناء الصراعات والمواجهات الدامية، لنتابع رد فعل إسرائيل تجاه الحادثتين في أوروبا ودعوة اليهود في أوروبا للسفر إليها لكن كان الرد، هؤلاء يهود فرنسا ويهود السويد وهكذا، نحن فرطنا في اليهود العراقيين مقابل الفرهود لصالح إسرائيل وبلعنا الطعم، ومازلنا نبلع طعوما أكبر، ونبدو أكثر غباء في نظر العالم.

أميركا وإسرائيل وإيران، ثلاثي دفع بالمنطقة ومنها العراق إلى الدور البديل، والخسائر عراقية وعربية بامتياز، والدم المسفوح دمنا وأموالنا وتاريخنا ومستقبلنا كشعوب، أميركا تبعث طائراتها دون قوات برية، ستدفع بالعراقيين على الأرض، ورعاة البقر استبدلوا الخيول بالطيران الحربي لمطاردة وتجميع قطيع الأبقار إلى أماكن مخطط لها، وإيران تصفي حساباتها مع العراق، وتجد لها مفاوضات مدفوعة الثمن ومقايضات على طاولة العراق وغيره. العراق ودول كثيرة تتدحرج من أعلى السلم، وسيعيد المخرج العالمي اللقطة عدة مرات إلى أن يعتقها من عبوديته. لم يعد لنا وجه، هكذا يكون مصير من لا يلعب دور البطولة على الأقل في حياته وحياة عائلته داخل بيته.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر