الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

العراقيون واستراتيجية أوباما الجديدة

الحملة العالمية التي تقودها أميركا بقدر أهميتها التعبوية والنفسية، فإن لها أبعادا سياسية في معاونة الحكومات على تثبيت نفسها ووسم أي مخاطر ضد كياناتها بالإرهاب.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/02/23، العدد: 9837، ص(9)]

بدا واضحاً اليوم تبلور أقطاب الصراع العالمي الثلاثة (أميركا وحلفاؤها الرئيسيون، وبلدان العالم المتضررة من الإرهاب وفي مقدمتها بلدان العرب، والقطب الإسلامي المتطرف الذي تمثله داعش). وتحولها بقيادة الولايات المتحدة إلى قطبين (داعش ومن يساندها، وأعداء داعش والإرهاب) كما أن احتلال هذا التنظيم المتطرف للعراق وإنشاء دولته الإسلامية، هو الذي فتح المرحلة الخطرة الحالية من مسيرة هذا الصراع المسلح وسببه التخاذل المريب للقوات المسلحة العراقية وانهيارها في العاشر من يونيو 2014. فلو قلب السيناريو وتم سحق هذا التنظيم على حدود العراق مع سوريا، لتعطلت جميع مراحل السيناريو الحالي.

هذا ما يبرر لأصحاب المؤامرة الحديث عن تسهيلات كانت، وما زالت، قائمة محليا وإقليميا ودوليا لتضخيم مكانة داعش وتسهيل مهماتها، لتتحول إلى عدو كبير يقابل العالم كله، تجاوزت قوة العراق وجيشه عشية الثالث والعشرين من مارس 2003 حين تم سحق ذلك الجيش وتلك الدولة الكبيرة خلال أسبوعين. وهذا ما دفع الكثيرين من خبراء السياسة والمخابرات الأميركيين من بينهم “غراهام فيلر” للقول “إن أميركا ودولا في المنطقة ساهمت ورعت تنظيم داعش”.

باراك أوباما مندفع لخوض معركة عالمية يعبئ لها كل الجهود والإمكانيات السياسية والعسكرية والاستخبارية والمعلوماتية، حتى إنه يضطر لتحريك جميع مؤيديه من رجال السياسة والدبلوماسية والعساكر السابقين لمساعدته على تسويق سياسته الجديدة، كما يضطر لتجميع الدول الصغيرة والكبيرة في البيت الأبيض ليبعث برسالة مباشرة إلى الكونغرس لإقناعه بالموافقة على تفويضه بالحرب الشاملة لمدة ثلاث سنوات وفك القيود عن قواته الاستشارية بالعراق لتصبح قوات قتالية تساندها قوات النخبة، مع إنه حينما كان سيناتوراً انتقد جورج بوش الابن في حصوله على التفويض باستخدام القوة بعد أسبوع من 11 سبتمبر 2001، واجتاحت عساكره بموجب ذلك التفويض العراق وأفغانستان.

الانقسام واضح وقوي داخل الكونغرس ومروجي القرارات السياسية الكبرى. فإلى جانب دعاة التصعيد العسكري في العراق وسوريا ودمج البر بالجو في القتال، هناك شكوك داخل أوساط الكونغرس الأميركي من أهداف هذا التفويض والمخاوف من أنه يفتح الأبواب أمام مغامرات عسكرية جديدة، أو توسيع نطاق الحرب في الشرق الأوسط وهذا ما يخشاه الديمقراطيون، وما عبر عنه جون بينز رئيس مجلس النواب الأميركي.

تذكر أوباما، اليوم، بعد أربعة عشر عاماً من أحادية التفكير العسكري بمحاربة الإرهاب، وقفة “صوفية” يلقي خلالها مواعظه بفشل الحل العسكري مع أنه ذاهب إليه بقوة، والدعوة إلى ثنائية الحل العسكري والدوافع السياسية والاقتصادية والعقائدية لنشوء الإرهاب، بعد تجاهل واستخفاف بصيحات المنكوبين من الإرهاب والتطرف ودعواتهم للبحث في الدوافع الحقيقية لهذا المرض الخطير الذي يهدد الإنسانية ومن بينها بلدان العالم العربي.

اليوم يقدم أوباما وبيته الأبيض مشروعاً عالمياً لمحاربة الإرهاب عن طريق التعريف بدوافعه، وتشخيص جذور التطرف، ومكامن الخلل الكبرى التي يتحمل معظمها العالم الغربي والولايات المتحدة والأنظمة المحلية الدكتاتورية والطائفية الجديدة التي تتزعمها نظم سياسية جديدة ترفع الشعار الديمقراطي، وتحت رايته تضطهد الطوائف والقوميات، وتعزز دور الميلشيات الطائفية بدلا من المؤسسات المدنية الوطنية.

فصّل أوباما وطاقمه برامج هذه الحملة العالمية، غير العسكرية، عن طريق مواجهة الفساد ومعالجة المظالم السياسية للشعوب، ومحاربة التهميش الاجتماعي، ورعاية النساء والشباب، ومحاولة نزع الإرهاب من وعائه الديني، وتبرئة أميركا من حملات صراع الحضارات والأديان.

يعترف أوباما، اليوم، بوجود مظاهر سياسية سيئة في العراق والمنطقة، لكنه لا يعترف بأن الإدارات السابقة وإدارته الحالية هي التي أوجدتها، وحاولت بعد عام 2003 تعميمها عبر مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي فشلت مرتكزاته في العراق، فتم تعطيل محركاته المباشرة، ومعاودة تنشيط المشروع الحربي الجديد في المنطقة عبر التعبئة العالمية لحرب داعش.

والمثال العراقي الراهن يزخر بالدوافع القوية لتنشيط التطرف ورعايته، ومن ثم محاولة مواجهته بالحلول الفردية النفعية الناقصة. فنظرية “الفصل ثم الصدام الطائفي” أوجدها بول بريمر بعد عام 2003 عبر بناء نظام سياسي طائفي يجعل أوساطه الشعبية متناحرة متحاربة في الميدان، ثم يجمع رموزه وسياسييه داخل قاعة واحدة ونظام سياسي واحد. وأوباما يعترف كعادة الساسة الأميركان، بالاعتراف في وقت متأخر، بمخاطر الصراع الشيعي السني في العراق، وأن المالكي الذي رأس الحكومة لثماني سنوات وحصل على دعم أميركي وإيراني مطلق هو من أجج العنف في العراق. ويكابد العراقيون محنتهم في فقدان الأرواح البريئة ونزوح أكثر من مليوني إنسان بلا مأوى، وتعرض أبناء مكون رئيسي منهم إلى القتل والتشريد والتهميش السياسي.

الحملة العالمية التي تقودها أميركا لها أبعاد سياسية في معاونة الحكومات على تثبيت نفسها ووسم أي مخاطر ضد كياناتها بالإرهاب. العراقيون لا يريدون سماع خطابات في التطرف والإرهاب، فتجربتهم غنية بما قدمته القوات الأميركية التي خرجت من بلدهم مدحورة قبل أربع سنوات، وكانت تلك القوات التي وصلت أعدادها إلى 120 ألف مقاتل، تحارب من تسميهم المتطرفين من المقاومين الوطنيين وتنظيمات القاعدة، والنتيجة كانت تفريخ القاعدة لتنظيم داعش. ما يحتاجه العراقيون من الأميركان مساعدتهم في الحل السياسي، مثلما تعهدوا لهم عشية تشكيل حكومة حيدر العبادي.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر