الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

الاستعلاء الكاذب لهوية هشة مكتفية بذاتها

الهوية الهشة في استعلائها ورفضها تبدو هي الشعار المعكوس لشعار الإخوان قبل أن يصلوا إلى الحكم في مصر 'الإسلام هو الحل'، ليصبح 'المسلمون هم المشكلة'.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/02/24، العدد: 9838، ص(8)]

يكفي التفرغ يومين اثنين، للاستماع إلى برامج بإذاعة القرآن الكريم، وبرامج دينية في إذاعات أخرى، ومشاهدة مثيلاتها في قنوات التلفزيون، وقراءة طوفان من الفتاوى، ليتأكد لك كيف يملك رجال الدين، الرسمي والسلفي والإخواني والتكفيري والداعشي في الحالة المصرية، حدا أقصى من اليقين، ولا سيما لو أن أحد هذين اليومين هو الجمعة، ففيه تشتعل سماء البلاد بغضب خطباء منذّرين بالجحيم، لم يبلغهم أن رحمة الله “وسعت كل شيء”، تلك الرحمة التي التقطها صديقي حين جذبته خطبة الجمعة من ميكروفون مسجد آخر، حيث يتبارى خطباء الجمعة في أمرين: الصراخ والوعيد بالنار وبئس المصير. ولكن صديقي استراح لخطيب المسجد الآخر، إذ تمكنت سماحته من صرف الانتباه عن خطيب لم ير القبح بجوار المسجد، ولم يدرك أن القمامة التي رآها قبل صعوده المنبر تؤذي عيني أي كائن خلقه الله “بشرا سويا”، ولكن الخطيب حرص على أن يغذّي استعلاء المصلين بأنهم “خير أمة”، ناسيا ما يترتب على ذلك من واجبات.

يملك رجال الدين، الرسمي والسلفي والإخواني والتكفيري والداعشي، يقينا لا يبدأ بانشغال المفتي السابق الشيخ علي جمعة بخرافات مثل المسيح الدجال، والتبشير بتحديد موقع يأجوج ومأجوج في أرمينيا، ولا ينتهي باستعلاء فصائل السلفيين على المختلف في المذهب والدين، وتكفير أهل الكتاب، وتحريم إلقاء السلام عليهم، وتحريم تهنئة المسيحي بعيد الميلاد، وتحريم إلقاء الزوج المسلم السلام على زوجته المسيحية حين يدخل البيت. ينصحونه بالاتجاه إلى السرير مباشرة، وقبل الوطء أو بعده هو “مأمور… (أن) يبغضها من أجل أنها كافرة… يقول لها إنه يبغض دينها بلا شك”، بنص فتوى نائب رئيس شيء اسمه “الدعوة السلفية” ياسر برهامي، وهو طبيب مصري يقال إن له أكثر من 25 كتابا.

ربما كان هذا أوان لاهوت للتحرير؛ ليس بهدف استخدام الدين أداة للثورة على الاستغلال الاقتصادي، أو نسف مبررات تطيل بالدين عمر الاستبداد السياسي بحجة الخطر الداخلي أو الخارجي، وإنما لتحرير الدين نفسه من الوصاية الضيّقة، والخيال القاصر الذي لا يملك غيره رجال الدين الرسمي والسلفي والإخواني والداعشي. هؤلاء هم سدنة الاستبداد حين يكونون بالقرب من السلطة، يسوّغون أي سلوك سياسي بأسانيد جاهزة، من الحرب على إسرائيل، إلى صلح معها أقرب إلى الإذعان. هؤلاء يمنحون الاستبداد شرعية حين يبحثون للتكفير والقتل والحرق عن جذور “عند جماهير العلماء” وبعض الصحابة واجتهادات ابن حجر وبعض الأئمة الأربعة، فلا يكون أمام المستضعفين المهدّدين بالكفر والقتل سوى اللجوء إلى قويّ مستبد ليحميهم.

تمنيت أن يستريح الشيخ علي جمعة، ويكتفي بلقب “المفتي المتقاعد”، ولكنه يصر على أن يظل في الصورة، متسلّحا بقوة وهمية ترضي أنصاره، وتجذب قطاعا من غير أنصاره من الباحثين عن يقين في عتمة شكوك تحيط بمصر، ففي 17 يناير 2015 قال في كلمة عنوانها “تنقيح التراث وإعادة قراءته” بمقر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إن التراث الإسلامي تراث أخلاق وعبادة وعلوم دنيوية، أما علوم الغرب فهي “بعيدة عن الله”، وهذا مدخل يطمئن الخائفين على هويتهم الهشة، لكي يقول لهم إن من ينتقدون كتب التراث “تافهون… هدم كتاب التراث هدم للأمة”، وفي اللقاء نفسه قال رئيس جامعة الأزهر الأسبق أحمد عمر هاشم إن أعداء الإسلام يستهدفون كتب التراث بهدف “هدم الأمة وهويتها”.

وفي 5 فبراير 2015 قال الشيخ علي جمعة في ندوة بمعرض القاهرة للكتاب، إن تنقيح كتاب البخارى وغيره من كتب التراث “تزوير”. أما شيخ الأزهر أحمد الطيب فيرى أن من ينتقدون مناهج الأزهر هم مجموعة من “المتميّعين” غير المؤهلين لفهم كتب الفقه. وكان الشيخ الطيب قد وعد في أغسطس 2014 بأن يقوم شخصيا بالرد على الشبهات، ودعا عددا من الأساتذة وعمداء جامعة الأزهر إلى “إعداد الردود العلمية على كل تلك المغالطات، ونشرها… للرد على المشككين في ثوابت الدين… التي تتعلق ببعض مسائل العقيدة وبصحيح البخاري”.

لله وللتاريخ، كان عمر هاشم عضوا عيّنه حسني مبارك في البرلمان، وعضوا في المكتب السياسي للحزب الوطني الحاكم، ورئيسا للجنة البرامج الدينية في التلفزيون الحكومي، وكان الشيخ أحمد الطيب عضوا في حزب مبارك الحاكم، ولم يقل أحدهما، أو كلاهما، كلمة في انتهاكات تعرض لها الشعب ولا يزال، وخذلا إرادة الغاضبين الحالمين بعد اندلاع ثورة 25 يناير 2011، ثم خذلهما مبارك وسقط، وبقي نظامه وهم منه.

في مسألة “الهوية” يوجد تناقض صارخ بين الاستعلاء بها والخوف المرضي عليها، كأن اجتهادا في كتاب أو فيلم أو رواية سيهدد “هوية الأمة”. هو خوف يفرضه وازع شخصي بصدق، أو ينطلق من واجب وظيفي، مجرد “أكْل عيشْ” لا يشترط أن يرتبط بنظام سياسي بل يتعداه أحيانا إلى رابطة مشجعين من البسطاء الخائفين على الدين، ولكنهم، في الوقت نفسه، لا يلتزمون بأبسط آدابه مثل احترام قيمة العمل مثلا.

اقتراب أي باحث أو مجتهد من “الهوية” يصيب سدنتها بالرعب من فقدان مصدر “أكل العيش”، فالهوية مثل المرأة يجب أن يحيطها غموض، أن تظل “حرمة” مصونا، لا يرى خدرها أحد. ويحلو للمهووسين تشبيه المرأة بلؤلؤة يلزمها صدفة تحميها، وتصرف عنها عيون الرجال. والمرأة والهوية كلاهما مقدس، وأي اقتراب منه مؤامرة، وفي هذا الوهم إنكار لآيات قرآنية: “ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض”، و”ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا”، و”ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة”.

ويذكر المهووسون بالهوية أمجاد الحضارة الإسلامية في عصر المأمون، ويتناسون أنه كان نموذجا علمانيا للانفتاح على الآخر، المتخلص من أمراض الهوية التي يقتلها الانغلاق، وتتعرض للاضمحلال والوهن بانكفائها على ذاتها، وتصبح سرابا يحسبه الظمآن ماء.

الهوية الهشة في استعلائها ورفضها تبدو هي الشعار المعكوس لشعار الإخوان قبل أن يصلوا إلى الحكم في مصر “الإسلام هو الحل”، ليصبح “المسلمون هم المشكلة”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر