الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

توالد الأزمات في العراق إلى متى

نظرية 'لا صوت يعلو على صوت البندقية' هيمنت على الخطاب الحكومي والحزبي، في تجاهل واضح للأسباب الحقيقية غير العسكرية وراء تمدد داعش في العراق.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/03/02، العدد: 9844، ص(9)]

تولى حيدر العبادي رئاسة الوزارة في 8 سبتمبر 2014 بعملية قيصرية ساهم فيها الشريكان الخصمان الإيراني والأميركي بعد حصول اتفاق على وثيقة تقدم بها ممثلو العرب السنة وبنصيحة أميركية، ولكن دون ضمانات حقيقية مثلما حصل في اتفاقية أربيل عام 2010. إثر ذلك تولّد انطباع لدى الكثير بأن انفراجا سيتحقق على يد العبادي.

تبدّدت الآمال باحتمال قيام نظام سياسي لا طائفي يشكل الحل الجذري لهذه الأزمات المتوالدة. ولهذا وجد كثيرون في العبادي فرصة جديدة ومحاولة إنقاذية من داخل البيت السياسي الشيعي ذاته، إذا ما باشر رئيس الحكومة الجديد بتنفيذ إستراتيجية الإصلاح السياسي وما تم الاتفاق عليه مع تحالف القوى الوطنية (السنية والأكراد).

شكك البعض في احتمالية التغيير استنادا إلى معطيات أيديولوجية وحزبية وضغوط إقليمية تتصاعد يوميا. وكان الرد على تلك الأصوات تنفيذ العبادي لبرنامجه بعد إطلاقه النوايا الطيّبة في ظل مناخ تعبوي فرضه احتلال داعش للعراق وهو قادر على ذلك دون العودة إلى الكتل السياسية.

وترى أطراف القوى الوطنية، مع قائمة إياد علاوي، أن هناك مشروعية جديدة فرضت نفسها على حكومة العبادي هي وثيقة الاتفاق السياسي من الصعب القفز فوقها، وأن تتحول إعلانات حسن النوايا إلى برنامج عمل وضعت له مواقيت واضحة. ولكن بمرور الأيام هيمنت نظرية “لا صوت يعلو على صوت البندقية” على الخطاب الحكومي والحزبي، في تجاهل للأسباب الحقيقية وراء تمدد داعش في العراق. كما لم تطلق مؤشرات إيجابية من قبل أحزاب التحالف الشيعية لتطبيق أهم التزامين لرئيس الحكومة، أولهما قانون المساءلة والعدالة الذي تم الاتفاق على تحويله إلى ملف قضائي يقضي بتجريم من تسبب بأذى لمواطنين عراقيين، والثاني قانون العفو العام لإطلاق سراح آلاف المحتجزين من الأبرياء، كخطوتين نحو الانفراج العام وخنق الحاضنة الاجتماعية لتنظيم داعش، وأخذت أصوات من داخل التحالف الشيعي تسمع رافضة أي انفراج بشأن عشرات الآلاف من البعثيين الأبرياء، ومرر عبر مجلس الوزراء قانون لاجتثاث البعث وصف بأنه لم يغمد السيف بل شحنه مجددا.

وهذا ما ولدّ إحباطا لدى القوى السنية التي علقت مشاركتها في البرلمان وليس بالحكومة. وهو موقف لن يغيّر من الوضع ويتوقع حضورهم للجلسات في أي لحظة وفق تطمينات تعلن في حينها، كما بدأت الأزمة تتجدد مع الأكراد بعد الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد حول الواردات المالية.

في سياق العمليات الحربية ضد داعش تجددت أزمة الميليشيات الشيعية المدعومة من قبل السيستاني ومن قبل إيران بعد التطور المعلن بمشاركتها مع ميليشيات الحشد الشعبي في معارك تحرير المناطق العربية السنية من تنظيم داعش. حيث أضاف الوضع اللوجستي الجديد مطلبا من القوى السنية بضرورة حصر السلاح بيد الدولة وإيقاف تمدد الميليشيات الشيعية في مناطق العرب السنة، وما تمارسه من انتهاكات ضد البشر والممتلكات، وأعلن العبادي تعهده بذلك. لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك.

في ظل الأوضاع الحالية تتوالد الأزمات في العراق لغياب الحل الذي تعهد به رئيس الحكومة، وهو يعلم أن مشاركة من يدعون تمثليهم للعرب السنة في العملية السياسية تشكل الضلع الثالث الذي دونه تسقط سلطة الحكم، وهو حريص على بقائهم، ومعه في الحرص تحالفه الشيعي وإيران وأميركا.

ولا يتوقع للمشاركين الحاليين أن يفقدوا امتيازاتهم ويقاطعون العملية السياسية، وفق تبريرات يقدمونها “بأن وجودهم هو من أجل الدفاع عن حقوقهم” التي تهدر كل يوم. والمقصود ليست الدعوة لخروجهم من العملية السياسية، بل إن الدعوات الوطنية توجه لأهل الحكم من القوى الشيعية بعد اثني عشر عاما من الأزمات، فهم من يتحملون مسؤولية الانفراج السياسي في البلاد، ولابدّ أنهم، أو عقلائهم، بعد هذه السنوات، قد وصلوا إلى قناعة بضرورة مغادرة المنهج السياسي الذي اعتمدوه في الانفراد بإدارة الحكم، وتحقيق التوازن السياسي وفق قواعد المحاصصة التي يسترشدون بها، والتخلص من عوامل الاحتقان، ومنع الميليشيات ومصادرة سلاحها وحصره بيد الدولة، والتوجه إلى كل المخلصين لهذا البلد وإشراكهم في حاضر ومستقبل البلاد.

أليس مهمّا لهذه القوى الشيعية أن تنجح في تجربة الحكم، وأن يتوقف نزيف الدم واحتمالات تقسيم العراق، وأن تغلق أبواب توالد الأزمات، وتفتح أبواب الانفراج السياسي الذي لن تكون تكاليفه خسرانهم للسلطة، بل الاحتفاظ بها بمشروعية عراقية شاملة، وإعادة حقوق المواطنين العراقيين المصادرة، لكي تنجز المهمة الوطنية بطرد داعش من أرض العراق.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر