الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

طارق حجي: لا تشتغل مفكرا 'بعد الظهر'

ليس من قيم الليبرالية اتهام شعب وإلصاق صفة ما به. المتحضر وحده من يحترم عادات الشعوب الأخرى وعقائدها ودينها.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/03/07، العدد: 9849، ص(9)]

في 22 ديسمبر 2002 كتبت في “العربي” الناصري مقالا طويلا عنوانه “خطورة أن تشتغل بالفكر بعد الظهر”، وأضاف رئيس التحرير هذا العنوان التمهيدي: “سعد القرش يحدثكم عن مفكر الشنطة”. في السياق المصري يطلق تعبير “بعد الظهر” على ما يتم عمله، دون إتقان غالبا، في وقت الفراغ بعد القيلولة والاستراحة من العمل الأصلي، أما “الشنطة” حين تضاف إليها كلمة، فتصير “مفكر الشنطة”، و”تاجر الشنطة” الذي يحمل شيئا لا علاقة له به، مجرد تاجر، ناقل وسيط يحمل في “الشنطة” متاعا من مرسل إلى مستقبل.

وكنت قد قابلت طارق مرة واحدة، بعد قراءة مقالاته “عن” الأوبرا والموسيقى والفنون، مطولات استعراضية غزيرة المعلومات، ولكنها ملساء منزوعة الروح. أطلعني في مكتبه على أرفف من الكتب، وثروة تشكيلية قال إنها نادرة، وأعطاني ملفا ورقيا قال إنه سيرة ذاتية، ولم يكتف بالملف، بل حرص على أن يشرح المشروح في سيرته ذاتية، ليؤكد ما نال من جوائز لم نسمع بها، ومحاضرات في جامعات، وكتب مترجمة أو ألفها مباشرة للخواجات بلغتهم، فهو “مفكر ومؤلف وخبير استراتيجي”. أسمعني من ذاكرته شعرا لعباس العقاد ونزار قباني، وبعضا من أحمد فؤاد نجم، وأتى ذكر أشخاص لهم علاقة بالتطبيع، فتوقف معلقا على رد فعل قرأه في ملامح وجهي، وقال: “أنت طبعا ترفض هذا”.

ولكنني بغض النظر عن التطبيع، لم أقتنع بجدارته بالانتماء إلى من أطلق عليهم يحيى حقي “أعضاء نادي فن القول”، الذين لا يملكون إلا مواهب تغنيهم عن الدنيا وما فيها. ترسّخت في ذهني صورة طارق رجل الإدارة المسؤول الإقليمي في شركة بترول عالمية، الطموح الحالم برئاسة الوزراء. وأظن أن عقدة عدم التحقق، والرغبة في الانتماء إلى أبناء الله المبدعين، كابوس يؤرق طارق وغيره من أطياف اليمين، الديني والمدني على السواء.

اختفى طارق، ولعله كان موجودا خارج دائرة اهتمامي، ثم عاد بعد ثورة 25 يناير مع ما ظهر من كائنات وظواهر. لا حرج من طفو هذه الكائنات وتلك الظواهر، ولا عيب في اختفائها، وإنما العيب في الادعاء، ولو بافتعال خفة ظل مستحيلة، مثل قوله “أموت من الضحك، عندما أسمع نبرة تعال من خليجي. فأنا رجل عندما يسمع تعبيرا مثل المفكر السعودي، أردد: كيف يجمع إنسان بين فكرتين متناقضتين في كلمتين: مفكر وسعودي… من المستحيل أن يكون شخص واحد مفكرا وسعوديا في نفس الوقت. فهو قول يشبه أن فلانا طويل وقصير، أو أن فلانا نحيف وبدين… وبكل موضوعية، أطالب أي مصري بأن يستفرغ معي على شيء يلبس الثوب والعقال”.

قبل كتابة هذا المقال تحاملت على نفسي، ونظرت إلى موقعه الإلكتروني، وفيه يصف نفسه بأنه “مفكر ومؤلف وخبير استراتيجي مصري”، فتذكرت قول الكاتب الساخر جلال عامر: “كان نفسي لما أكبر أشتغل خبير استراتيجي، لكن أهلي ضغطوا عليّ عشان أكمل تعليمي”.

لا يلام الحر على أن يمتهن أي عمل، ما دام صادقا مع نفسه ولا يؤذي أحدا. تعجبني سلالة الفراشات، تحية كاريوكا وسامية جمال وكيتي حتى سهير زكي حين تتمايل على موسيقى أم كلثوم، وفي الوقت نفسه لا أحب نجوى فؤاد، وأنفر من فيفي عبده. للمسألة علاقة بالصدق، أو الزيف والابتذال والفجاجة، وهي أمور لا تقف عند حدود الرقص، وإنما تمتد إلى مجال الكتابة، ومنها تعليق طارق الخاص بشعب الخليج، وهو لا ينطلق من شوفينية، ويمكن تفسيره في ضوء نظرية الإسقاط في علم النفس؛ فطارق لا ينتقد إسرائيل، ويرى مصر – مبارك “الدولة الحكيمة والعاقلة والمتّزنة.. اختيار الدولة الرسمي والحقيقي والمعلن هو للسلام بما يعنيه ذلك من روح مختلفة عن الروح المنبثقة عن ثقافة الحرب”.

لن تصدق شجاعة طارق بأثر رجعي، وقد كان يحرص على أن يثبت في سيرته الذاتية أنه “عضو مؤسس مع 23 شخصية عربية مرموقة في تكوين (مؤسسة الفكر العربي) التي يترأسها الأمير الشاعر خالد الفيصل آل سعود”.

تعميم المستشرق طارق لا علاقة له بالبحث العلمي، ولا يليق بمن يدعي الانتماء إلى أهل الفكر والتأليف والإستراتيجية. وليس من قيم الليبرالية اتهام شعب وإلصاق صفة ما به. المتحضر وحده من يحترم عادات الشعوب الأخرى وعقائدها ودينها. ويستطيع غير المصري، إذا كانت له عقلية طارق “المفكر والمؤلف والخبير الاستراتيجي المصري”، القول إن المصريين قردة؛ إذ ليس لهم زيّ وطني يدل عليهم، حتى أن فريقا من “الدعاة” السلفيين – وهم طائفة مهنتها دعوة مسلمي مصر إلى الإسلام – يلبسون زيّا لم تعرفه مصر منذ كان لمصر تاريخ وجغرافيا، فلم نعرف “الغترة” القادمة من جغرافيا أخرى، لستر “عورة الرجال” من الجبين والرأس، مسدلة إلى الخلف فوق جلباب أبيض بلون لحى بيضاء، أسدلت هي الأخرى بعناية.

بالنسبة إلى العاقل، وليس لمفكر ومؤلف وخبير استراتيجي مصري مرتبك، توجد طرق وزوايا أخرى للانتقاد، ولو بالاستشهاد بسيرة ليوبولد فايس “محمد أسد”، في شهادته الصادقة، “الطريق إلى مكة”، على صديقه الملك عبدالعزيز وآثار تحالفه مع أتباع ابن عبدالوهاب: “تحول الحماس الديني للإخوان وميلهم لخوض الحروب، إلى قوة جديدة في يد ابن سعود، وبدأت حروبه منذ ذلك الوقت تكتسب شكلا جديدا.. اكتسبت وجه الحماس الديني الذي يخوض المعارك لا من أجل مكاسب دنيوية، بل من أجل إعلاء شأن العقيدة. أما بالنسبة إلى الإخوان… كانوا يلتزمون بالعقيدة وتعاليمها، بلا تهاون أو تحريف… كانت مفاهيم أغلبهم مفاهيم بدائية، وكان حماسهم يتسم بالتعصب الزائد. ولسوء الحظ، ظل ابن سعود قانعا وراضيا بما هم عليه من مظاهر بدائية وفهم سطحي للدين، وابتعادهم عن المعارف الدنيوية. لم ير ابن سعود في حركة الإخوان إلا قوة بيد السلطة، وفي الأعوام الأخيرة قدر لهذا التصور أن ينقلب، ويصبح قوة مضادة تهدد المملكة التي شيّدها بجهده”.

أعتذر للقارئ عن الجمع، في جملة واحدة، بين أسد ومستشرق طارق.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر