الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

في السؤال عن مشروع ثقافي عربي

لابد للثقافة العربية، حتى تنهض، من أن تعيد قراءة ذاتها، في ضوء مدنها المحترقة بنار الاستبداد وآهات أبنائها المصلوبين على أعواد المارقين من شقوق التاريخ.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2015/03/08، العدد: 9850، ص(11)]

يواجه العرب، اليومَ، بشراً وثقافة واجتماعاً وعمراناً، المنعطف الوجودي الأخطر في تاريخهم الحديث. العرب، أهل اللسان العربي، ومعهم أعراق قاسمتهم الثقافة والتاريخ والأرض والمصير، واقتسمت معهم الحضارة والصيت الحضاري، ها هم جميعا يقفون على أطلال مدنهم المحترقة بنار الاستبداد. ثلاث عواصم للوجود العربي في التاريخ: دمشق وبغداد وصنعاء تحترق، وتقع تحت نير الاحتلال الأجنبي، والنار تمتد لتلتهم أخوات أخريات. فماذا يريد العرب من أنفسهم، وكيف يريدون أن يكونوا غداً، وهم بين أمم في الإقليم كشرت عن أنيابها، وأخرى مجلوبة استوطنته قسراً وأنيابها مغروسة في لحمهم.

***

ماذا يريد هؤلاء القوم الذين أسمتهم كتب الحضارة عرباً، وقد صاروا يخجلون من اسمهم. ماذا يريد العرب من أنفسهم اليوم وقد باتوا يتوارون في ظلال أمم أخرى. ماذا يريدون من وجودهم وقد بلغوا بنسلهم أرض اليأس، وباتوا في حال ينكرون معها أنفسهم، فما عادوا يطيقون أن يكونوا عربا؟ ولكن ماذا في وسع العرب أن يكونوا إن لم يكونوا ما كانوا دائماً. هل يصيرون فرسا، أم يصيرون تركا، أم صقالبة! ماذا يريدون أن يكونوا وقد باتوا على شفا حفرة من أن يكونوا هنوداً حمراً لأمم تجاورهم؟

تخطيط: ساي سرحان

***

ماذا يريد العرب من أنفسهم وقد أمسوا يكرهون أسماءهم التي زينت التاريخ بالأسماء؟ نسأل هذه الأسئلة، قبل أن نسأل عما يريده المثقف العربي من وجوده في ظل حال يكاد الأفق معها أن يبدو لناظره قفلاً كبيراً على باب زنزانة اسمها الحاضر.

ولكن عن أي مثقف نتحدث، أعن “المثقف الرسالي” وقد طوت صفحتَه علاقته الساذجة بالحاكم الشمولي ومنظوره الإصلاحي وقد انهار. أم عن “المثقف التنويري” وقد أجهز عليه تردده أمام الحاكم الأبوي وبطانته المرائية. أم عن “المثقف الحداثي” وقد بات منظِّرا لـ”علمانية” الطغمة العسكرية الفاسدة، ومن ثم شريكا لكل هارب من ميدان التحرير إلى أرض الفرصة الشخصية، تحت اسم العداء لـ”الاصولية”، غير عابيء، حقيقة، بالمصائر الاجتماعية وقد اخرج لها الاستبداد من تحت عباءته أشباح الماضي وغيلانه.

عن أي مثقف، إذن، نتحدث، والنموذج الأكثر إغراء وحضوراً بين المثقفين هو ذاك الذي طالما افتخر بكونه نخبوياً، وقاس العلاقة بينه وبين الثقافة بمدى اغترابه عن الناس. بينما يغيب عن الصورة وجه “المثقف المنقذ” الذي عبر الجسر بين ذاته المفردة وأهله المنتظرين، وقد اختبر الألمَ، بعض الألم الذي اختبروه، وها هي الجماعة تنتظره ليكون لها صوت في الحاضر وكيان في المستقبل، ويكون لها أن تعتد بوجودها الجماعي في أمَّة.

والسؤال الآن، أليس مرعباً أن نهر الدم الذي تدفق في عواصم الحاضر العربي ومدنه وأريافه لم يستطع أن يهز شجرة الفكر عن ثمار جديدة. فها هو الفكر يقف عاجزا عن قراءة ما يجري، محبَطاً وغريباً، حتى لكأنه لا يرى في نفسه ابناً حقيقياً للتجربة الإنسانية الدامية، إن في سنواتها الأربع المنصرمة، أو في أرومتها الممتدة إلى نصف قرن من الاستبداد باسم الدولة العربية.

وبإزاء عجز المثقف عن أن يكون مبدعاً، ها نحن نفتقر اليوم إلى أنسنة الأشياء، إلى المثقف الإنسانوي، المثقف الذي يعمل بين الناس، ولا يرى نفسه غريبا عنهم، فهو ديدنه حق البشر في الاختيار؛ حق الفرد وحق الجماعة، بعيداً عن تسلط الخطابات المتعالية، قريبا من القدر الإنساني أيا كان موضوعه ، وأيا كان صاحبه.

***

كان السؤال في أوله عن حال المثقف بوصفه مصباح الأمم، عما يريد من نفسه ومن الآخرين، وما يريد من الثقافة والسلطة، والمجتمع، ليس بوصفه سوبرمانا، ولكن بوصفه عضواً في المجتمع.

الحقيقة أن المثقف العربي، في ظل الألفية الثالثة وتحدياتها الجديدة، لم يتكلم كلماته المفهومة بعد، لم نسمع كلامه، لم تظهِّره كلماتُه في الصورة، لم نر له وجهاً لنصفه ونسميه، ولطالما صدرت كلماته من وراء أقنعة “الأيديولوجيا”، و”الحزب” و”السلطة” ومن منابرها، في ظل خلل تاريخي حكم العلاقة بين أطراف هذا الثالوث. وفي أحسن الأحوال كانت كلماته أنصاف كلمات وأفكاره أرباع أفكار، واعتُبرتْ “المتاح” و”الممكن” و”المعقول”، ولم تبلغ عند متلقيها، في أي وقت، مرتبة “الفكر”، أو عتبة “المشروع″.

مأساة المثقف العربي أنه اجترَّ شتى المصطلحات التي جادت بها نصوص المفكرين الغربيين الصادرة عن مغامراتهم الفكرية المعبر عنها في فلسفات حديثة، فكان المثقف العربي الحديث ماركسيا، وغرامشيا، والتوسيريا، وكان وجوديا، هايدغريا، وسارتريا، وكان لاكانياً، وكان كل ما أمكنه أن يكون عبر الترجمة، إلا أن يكون نفسه الطالعة من مخاض ثقافي أهلي عربي الصيرورة منفتح على الثقافات. لذلك كان كائناً فكرياً هجيناً، وظل حتى الساعة بلا صورة. عربي وعروبة، يا لهذه الصفة المستفزة للسامع، وقد بدت مثيرة للشفقة قبل أن تكون مثيرة للسخط، كلمة صار لها وقع الإهانة في الجغرافية التي سادتها، ومن قبل كان سلطانها على العقول والأرواح يشيد مدن الخيال وممالك العقل. كتب بها الشعراء، عرباً وغيرهم، أعذب الشعر، وزرع بها المتصوفة والناثرون حدائق الصور، واليوم يتردد الناطق بها قبل أن يلفظها، يتحاشاها المتكلم، يحتال على الجملة النحوية حتى لا تظهر في خطابه، فهي دالٌّ مستفز على مدلولٍ أفل نجمُه، وهناك من يريد له الزوال.

كيف حدث أن صار لهذا الاسم وقع الإهانة في مخيال المثقف العربي، ولم نعد نتحرج من أن نوصف، من قبل القريب والبعيد، بأننا “أعراب” و”عربان”، وبأننا “الحفاة أكلة الضب”، وقد حانت لمن يريد الثأر ساعة الثأر منا. هذا عن سلوك الآخر/الغريم في عباءة “الثيوقراطي القومي” الذي أنشب مخلبه، من العراق إلى صنعاء مرورا بالشام، في لحم العربية، ويريد أن يفتك بها ثأرا لإيوان كسرى المخلوع. لا بأس في هذا فهو لطالما كان شأن الغريم مع الغريم، لكن كيف حدث أن صار العربي نفسه في موقف من يريد أن يعتذر عن وجوده، ووجوده مهدد بالزوال!

أي وهدةٍ هذه التي تجعل سليل لغة وثقافة وحضارة أهدت خزائن العالم ملايين المخطوطات في الأدب والفكر والعلم والجغرافيا والتصوف والفلسفة والحكمة، يقف ذليلاً بين أقرانه من عرب وكرد وسريان وأمازيغ وشراكسة وتركمان وحتى أرمن ممن شاركوه السكنى، وما زالوا جميعهم على ثراء العلاقة بهم، يقيمون بين ظهرانيه، ليعتذر عما كان من جنسه، وما سوف يكون من اسمه.

ألا يبدو مثيرا للغرابة أن يبقى بعضنا مطمئنا إلى سرمدية وجوده، بينما الحرائق تلتهم أطرافا من جسده، وتزحف على أخرى؟

تخطيط: ساي سرحان

***

لا يجوز لنا أن نخاف من حوار الأصوات والأمم في الحاضر والمستقبل، لكننا لسنا، ولا ينبغي لنا أن نكون، في وارد تقديم اعتذار لأحد عن اسمنا ووجودنا نحن العرب، لا يحق لنا أن نجبن وننكص على أعقابنا، لمجرد أن هناك بيننا أفراد في الأقوام التي خالطناها وخالطتنا، من يريد، اليوم، أن يسل خيطه من ثوبنا الشرقي، لمجرد أن هذا الثوب كان مطرزا بالحرف العربي ولم يكن يضير الشرقيَّ، وقد كتب نفسه بهذا الحرف، أن يعرف نفسه به.

ليس ذنب العربي أن العِلم القديم كان عربيا، وأن اللغة التي حفظت سير آرسطو وسقراط وأفلاطون وبطليموس كانت عربية. ليس ذنبه أن أجداده أهدوا أوروبا تصفيف الشعر، وطقوس المائدة، ونظام القصيدة ومعها التروبادور، في لغة باهرة وهَّجت حوارَ الأمم في المختبر الأندلسي.

***

ليس ذنب العربي ما كان من أمسه، اختباره الحقيقي ما هو كائن وما سوف يكون في غده.

***

أخيراً، لابد للثقافة العربية، حتى تنهض، من أن تعيد قراءة ذاتها، في ضوء مدنها المحترقة بنار الاستبداد وآهات أبنائها المصلوبين على أعواد المارقين من شقوق التاريخ. وعليها، بينما هي تعيد طرح الأسئلة واستكشاف سبل بناء ما هدمه الطغيان وآزره في هدمه جنود الظلام، أن تتفكر في ردّ الاعتبار إلى الاسم العربي الجريح. ولن يكون هذا إلا عبر الأخذ بالجدل والحوار والسجال، وأولا وأخيرا، عن طريق الاحتفاء بالطاقة الخلاقة للأجيال الجديدة، التي وحدها من يمكنه أن يحمل إلى المستقبل اسم العرب مقروناً بنور المعرفة، لا بأخبار المذابح ونيران المدن المحترقة.

ما سلف أدفعه جهة السؤال، لأشرك به القارئ فهو من الاستغراب والاستهجان أكثر مما هو من قول “الحقائق” أو استيهام “الأوهام”، فالحلم بالتغيير شيء، وأحلام اليقظة التي تجعلنا غائبين عن الوعي بحقائق الأشياء شيء آخر. والسؤال، في كل وقت، مفتاح المعرفة.

افتتاحية العدد الثاني من "الجديد" اللندنية والنص ينشر بالاتفاق مع المجلة

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر