الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

سئل أعرابي

الأعرابي بطبعه حذر وماكر عند التعامل مع أبناء المدن، يخشاهم ويتعامل معهم بكل ما لديه من حيلة ويجيب على أسئلتهم بشيطنة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/03/10، العدد: 9852، ص(24)]

النحو العربي أصعب نحو في العالم. هذا بتصنيف الفاهمين دوليا. وأعتقد أنني أعرف لماذا. أظن أنه عندنا في تاريخ النحو حالة لا تشابه لغة أخرى. وهي أن النحاة لدينا أوكلوا شأن النحو وقواعده إلى أي أعرابي “صايع” يصادفونه.

تجد مثقفا هائلا مثل الأخفش الكبير، أو المتوسط أو الصغير فهم ثلاثة، يسأل الأعرابي الذي يقتاد بعيره المحمل بملح الصحراء أو تمر الواحات للبيع في الحواضر.

الأعرابي بطبعه حذر وماكر عند التعامل مع أبناء المدن، يخشاهم ويتعامل معهم بكل ما لديه من حيلة ويجيب على أسئلتهم بشيطنة.

أنا لا ألومه. يضع المثقف اللغوي قاعدة ثم يروح إلى الأعرابي فيخربها وتضاف استثناءات وأشياء.

والأعرابي هذا ناقد فني أيضا. يسأله المثقفون في أمر المفاضلة بين الحسين بن الضحاك وأبي نواس، مثلا. شاعران في غاية التعقيد من بغداد، سرة الدنيا وحاضرتها المتطورة جدا عن سواها. الرأي النقدي يؤول إلى أعرابي صايع كما ذكرنا.

العرب في لندن يحملون في الـ”دي أن أيه” الذي لديهم هذا الإعجاب بمن هو إنكليزي أصيل وبالذات أقلهم ثقافة ودراية؛ سائقي التاكسي اللندنيين والزبالين. يستأنسون برأيهم في أمور اللغة الإنكليزية والنحو الصحيح ونقدهم للأفلام والمسرحيات والكتب.

كلما يقول لك عربي في إنكلترا إنه سأل إنكليزيا فاعرف أنه سأل واحدا من هذا الصنف، أو في أحسن الأحوال فرّاشا متواضعا في الدائرة التي يعمل فيها.

وقع بين يديّ قبل سنوات كتاب في النحو من أبسط وأوضح ما قرأت في قواعد العربية. واضعه فقيه من الأندلس اسمه ابن مضاء القرطبي والكتاب اسمه “الرد على النحاة”. فيه إبطال كامل تقريبا للعامل. يعني كتاب مكتوب مثل البني آدمين.

فكرت في أمر ابن مضاء القرطبي وعذوبة النحو ويسره عنده. هل كان واضحا لأنه ظاهري لا يسرف في التأويل، ربما. يتخلص من كل الغثاء في جملة كان زيد نائما ولا يذهب إلى اسم كان وخبرها وكيف نرفع ثم ننصب.

ويقول إن زيدا فاعل ونائما حال. هكذا لا فعل ناقص ولا اسم وخبر. فعل ثم فاعل ثم حال. ثم انتبهت إلى السبب الحقيقي في الوضوح وعدم اللبس.

العلة هي أن ابن مضاء عاش ومات في قرطبة في أسبانيا، وبهذا لا يوجد أعرابي. كل ما هناك خارج المدينة فلاحون أسبان يغنون ويرقصون وهم سكارى في الغالب. وبهذا لم يسأل أعرابيا يشيع الارتباك في اللغة. في الأندلس لا يوجد سئل أعرابي.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر