الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الذكاء الأميركي بين نانسي وسليماني

المفارقة كبيرة في احتلال العراق تحت ذريعة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، وبين الصبر الأميركي على النووي الإيراني الفاعل في آثاره المعلنة على العراق.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/03/11، العدد: 9853، ص(9)]

وأنا أتابع خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي في الكونغرس الأميركي، تذكرت الذبابة التي استدلت على نوري المالكي وأحرجته أثناء إلقاء كلمته في ذات المكان الذي سبق لإياد علاوي أن حصد فيه التصفيق إكراما لمنجزات الديمقراطية الأميركية في العراق، وحرارة التصفيق تزداد وتنخفض حسب مناسيب الميول الديمقراطية أو الجمهورية. وقتها شعرت بمدى هزال المتأنقين في قاعة الكونغرس الذين أتعبوا أنفسهم بالوقوف والقعود والتصفيق لكذبة كبرى رافقت كذبة بوش في تأكيد المعلومات الأميركية التي لا تخطئ حول امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل.

25 مرة صفق النواب لرئيس الوزراء الإسرائيلي، وهذه نسبة لا تقبل الشك، إن الخطاب كتب لإجهاد الحاضرين بالوقوف دلالة لانسجام الرؤى، ومعرفة دقيقة بتوجه السيناتورات (الديناصورات) في الكونغرس، ورغم اطلاع باراك أوباما على النص مكتوبا، لكن ذلك لم يدفع إلى الواجهة الصراع بين أوباما ونتنياهو للتسابق في خدمة أمن إسرائيل، فالاثنان يتباريان في الحصول على منافع انتخابية لحزبيهما. أما الأهم فهو ما صرحت به نانسي بلوزي رئيس مجلس النواب الأميركي السابق، عندما وصفت خطاب نتنياهو على طريقة الفنان العراقي ماجد المهندس “ذوب بأحضاني مثل قطعة جليد”، ولأن حرارة حضن واشنطن سرعان ما تذوب كالثلج، فإن نانسي اعتبرت حديث نتنياهو عن تفاقم الخطر النووي الإيراني وتمدد القوة الإيرانية في المنطقة، إهانة لذكاء أميركا وإهانة لأجهزة استخباراتها ومعلوماتها. المفارقة كبيرة في احتلال العراق تحت ذريعة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، وبين الصبر الأميركي على النووي الإيراني الفاعل في آثاره المعلنة على العراق.

فبعد أحداث أمرلي والظهور الأول لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني وهو يرقص فرحا لانتصار ميليشياته، وبعدها ظهر في المنطقة الخضراء علانية، ليلقي كلمة على مقربة من السفارة الأميركية وها هي أميركا لا تتدخل في معارك تكريت ولا توفر الغطاء المفترض من الجو للقطعات المتقدمة، على غير تعهداتها مع قوات التحالف. ماذا تريد أميركا من موقفها هذا، ترك المجال لانسحاب المقاتلين إلى الجزيرة والعودة إلى الموصل، أو ترك المعركة مفتوحة لتصل الإمدادات؟

كلمة النوايا غير دقيقة في الاستخدام اللغوي وهي خطأ شائع والأصح النيات، والمخاوف تتجمع في رداء تكريت المهلهل، إذ سبق وكان الانتقام والتطهير العرقي واتباع سياسة الأرض المحروقة عناوين لما حدث في ديالى من تجاوزات وإبادات. وللذكاء الأميركي في المعلومات نيات نشير إليها قبل اكتمال الحلقات الأخيرة من مسلسل تكريت الدامي.

الجهات الرسمية تؤكد قلة أعداد المقاتلين المحسوبين على تنظيم داعش داخل تكريت وفي مجمل صلاح الدين. الكثافة النارية الهائلة ولمعرفتي الشخصية أنها تستخدم أساسا في جبهات المتحاربين على خطوط القتال وليس في اقتحام المدن التي يتحصن فيها المسلحون بين المدنيين. تكريت وما يلحق بها لم يغادرها من سكانها بحدود نصف أهلها، مكمن الخطورة في النيات، فلا يمكن فصل التهديدات الأولية لإحدى العشائر العربية إلا بداية لانتقام قادم، فهذه العشيرة بين فكي الموت؛ فك التنظيمات المتشددة وفك الميليشيات، أما الانتماء إلى الوطن أو إلى الإرهاب فمقدمة “وقد أعذر من أنذر” لفك الارتباط بالمسؤولية عن جريمة إبادة مقبلة.

المفارقة الأكبر هي الوجود الإيراني في معركة تكريت. إيران ونظامها يستعيدان سنوات الحرب الإيرانية العراقية ويصفان سلة انتقامهما من العراق في رمز تكريت مسقط الرئيس العراقي المثير لأعصاب إيران وأتباعها من المعارضة العراقية السابقة، الذين يمثلون حكام العراق وميليشياتها، وتربطهم أواصر صداقة مع سليماني.

ما ألفت إليه نظر المجتمع الدولي، بمنظماته وشخصياته الراسخة على القيم الإنسانية، استخدام مصطلح الدروع البشرية في المعارك، خاصة في تصريحات القادة الميدانيين غير المنضوين تحت القوات العسكرية التقليدية وهي تمثل أكثر من ثلثي حجم القوات المندفعة نحو تكريت. هذا المصطلح أخطر تبرير للإبادة والاستفادة منها في تحويل المدنيين إلى صراع مكاسب سياسية أو عسكرية على المستوى الميداني أو الدولي، وغالبا ما استخدم المدنيون في المعارك لخدمة أغراض تحشيد الرأي العالمي مع، أو ضد، المستفيدين في المؤتمرات والأوراق مماثلة في الساحة السورية التي أطالت عمر النظام وأطالت أمد الصراع ومددت الجماعات المتشددة، وحصل الجميع على مغانم مقابل آلاف الضحايا من الأبرياء.

السيناريو بدقة، إبادة من كل الأطراف والتبريرات جاهزة، داعش أقدم على قتل المدنيين قبل الانسحاب، أو الميليشيات أقدمت على قتل المدنيين بعد الانسحاب.

لماذا لم تشارك أميركا وحلفاؤها في الغطاء الجوي لمعارك تكريت؟ هل هي براء من واقع قادم؟ هل تركت أميركا لإيران فرصة الانفراد بتكريت لتنتهي الحرب العراقية الإيرانية إلى الأبد برمزها القديم؟ هل تم احتلال إيران للعراق مباشرة، وأصبحت الميليشيات فوق إرادة الجيش النظامي؟

أعود إلى نانسي بلوزي وغضبها لأنها تشعر أن هناك من أهان الأميركان عندما شكك بذكاء أجهزة معلوماتهم. السؤال لنانسي: لماذا لم تقيموا قدرات الجيش في الموصل الذي سلم معدات 6 فرق عسكرية إلى الجماعات المتشددة؟ أم أن الحقيقة تكمن في معرفتكم وذكاء أجهزة معلوماتكم؟ اليوم الذباب على كل الوجوه.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر