الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

هل تتمكن إيران من الهيمنة على العراق

طريق إيران في العراق مليئة بالألغام ولن تتمكن من الهيمنة عليه، كما أن العراق نقطة ارتكاز إستراتيجية مهمة في الأمن القومي العربي رغم غفوة العرب.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/03/16، العدد: 9858، ص(9)]

لا يمكن حصر التصريحات الإيرانية الأخيرة بخصوص إعلان نفوذها في العراق باحتمال واحد من الغايات الأيديولوجية أو الإستراتيجية أو السياسية والأمنية أو الإعلامية، خصوصا أنها تكثفت بعد العاشر من يونيو 2014، تاريخ اجتياح داعش للأراضي العراقية. وهذا ما يجعل كثيرين لا يبرئون خطوة هذا التنظيم المتطرف باجتياحه الأراضي العراقية من ارتباطاته وخدماته لشبكة المخططات الإقليمية والدولية، التي نضجت في الأعوام الثلاثة الأخيرة بعد أحداث سوريا لصياغة خارطة نفوذ جديدة تلي فوضى الدم العربي في كل من سوريا والعراق وباقي أرجاء المنطقة.

ومن السذاجة القبول ببعض التبريرات الفنية المتعلقة بالتصريح الإيراني الأخير بالغ الوقاحة لمستشار رئيس الجمهورية علي يونسي والتي قال فيها إن “بغداد هي عاصمة الإمبراطورية الفارسية الجديدة”، فهذا التصريح الجارح والمذل لمشاعر العراقيين، جاء بسبب الوضع العراقي المهين والضعيف، وما خلقه مناخ الحرب الراهنة، وتجيير الانتصار على داعش بإيران وأدواتها في العراق. فقد قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني قبل أيام “إيران حمت دمشق وبغداد وأربيل من السقوط بيد داعش”، لقد سبقت هذه التصريحات أمثالها لا تعد ولا تحصى خلال الثلاثة عقود الماضية، حيث صرح رئيس جمهورية إيران في عهد الخميني أبوالحسن بني صدر قائلا “إن العراق عبر التاريخ كان جزءا من فارس، وأن آثار (طاق كسرى) ما زالت موجودة في المدائن قرب بغداد”.

هذا الاستحضار التاريخي الاستفزازي للعراق والعرب من قبل نظام خميني، قد قوبل حينها من قبل نظام صدام حسين، باستحضار مقابل يتعلق بفتح المسلمين لإيران في معركة “القادسية” مما دفع البلدين لمعركة طاحنة دامت ثماني سنوات كانت إيران تتوقع خلالها اجتياح العراق وفق شعار “طريق القدس يمر عبر كربلاء”، تلك الحرب التي شجعتها أميركا لإنهاك البلدين وشعبيهما، وكان المفروض لنهايتها أن تفتح أبواب الأمن والاستقرار أمام الشعبين المتجاورين، لا أن يُختزن الثأر من نتائجها العسكرية المعروفة، وينبعث بقوة بعد ثلاثة عشر عاما لتنفيذ مشروع تصدير الثورة في العراق وهو يعيش ظرفه المنهك.

لقد خلق الاحتلال الأميركي عام 2003 مناخا جيوسياسيا بالغ الخطورة للأطماع الإيرانية، عندما دمر الدولة العراقية وجيشها ومؤسساتها الوطنية العسكرية والمدنية، وفتحت أبواب العراق وانهارت سدوده أمام جميع الطامعين، وفي مقدمتهم إيران التي اشتغلت على معطيات الدين والمذهب لتسويق فكرة التمدد في العراق، وتم لها ما أرادت برضى أميركي، رغم أن شيعة العراق بكل فئاتهم وعشائرهم العربية الأصيلة يمتلكون من الحس الوطني الجماعي، والتمسك بالهوية الوطنية والعربية ما يجعلهم يرفضون الخضوع للأطماع الخارجية مهما كان لونها وغطاؤها، مع ما يعيشه بلدهم من ضعف ووهن وتشابك الأغطية الأيديولوجية للأحزاب الإسلامية الشيعية الموالية لطهران، فهناك قسم مؤيد لها ولمشروعها، والقسم الآخر لا يتمكن من معارضتها علنا، خصوصا ممن يمتلكون تراثاً عراقيا وعربيا أصيلا كالتيار الصدري مثلا. وهذا يمثل أحد المعوقات الكبرى أمام الأحلام الإيرانية بجعل العراق جزءا منها.

ومن الصعب على إيران أن تطلق يدها بلا حدود في هذا البلد، فهناك خطوط استراتيجية أميركية وإقليمية يصعب على إيران الوقوف بوجهها فعليا، رغم العنجهية الإعلامية والعسكرية لدوائر الحرس الثوري. ومن الخطأ تفسير المهادنة الأميركية الحالية بأنها صكوك غفران للتمدد الإيراني، فباراك أوباما يريد تقديم إنجاز لحكمه وهو الاتفاق النووي، لكنه يلقى حاليا معارضة شديدة ضد هذا النهج المتخاذل تجاه إيران، رغم أن تفسيرات أميركية تقول أن هدف واشنطن توريط إيران في المستنقع العراقي لإضعافها.

يقف اليوم قادة الحرس الثوري الإيراني على أطلال مدينة العوجة التكريتية ليقولوا قولة غورو القائد الفرنسي حينما وقف بعد الحرب العالمية الثانية أمام قبر الخالد صلاح الدين الأيوبي في دمشق متشفيا “جئناك يا صلاح الدين”. إن تمدد إيران في العراق وسوريا واليمن، إضافة إلى لبنان، سيضعها أمام مشاكل جدّية لتغطية هذا التمدد، في ظل مشكلات اقتصادية جديّة داخل المجتمع الإيراني.

وإيران تمارس ضغوطا على أميركا والقوى الإقليمية لتنتزع مكانة رئيسية في صناعة خارطة المنطقة، إلا أن وجودها في العراق لن يمّر سهلا، وسيخلق مشكلات لوجستية جدّية أمام حكومة حيدر العبادي الذي يحاول عبر خطابه الإعلامي مسك العصا من الوسط. فالقوى الجديدة للحشد الشعبي، ولا نقصد منتسبيه من شباب العراق الذين يقدمون دماءهم زكية من أجل الوطن ويستحقون كل التقدير، لكن القيادات السياسية للميليشيات لأكثر من أربعين فصيلا، لديهم أجندات وأهداف قريبة أو معبرة عن الرغبات الإيرانية، أكثر من قربها للسلطة التنفيذية التي يقودها العبادي، فهم يأتمرون بأوامر تلك المراجع وليس للحكومة، رغم أنها من أهل المذهب. وستحاول تلك القيادات بعد نهاية حرب داعش الانتقال إلى مرحلة الحضور السياسي الفاعل في العملية السياسية، وسيستثمرون النتائج لصالحهم، وسيقولون للآخرين: نحن من كنا في جبهات القتال، ومقياس القيادة هو “من حارب وانتصر عليها” ولن يتمكن العبادي من تنفيذ قرار تعطيل الميليشيات وسحب سلاحها وحصره بالدولة. ولعله حاول التمهيد لذلك في خطابه الإعلامي حيث قال “إن الحشد الشعبي هو مؤسسة رسمية من مؤسسات الأمن الوطني”، وسيدخل العراق في دوامة سياسية بالغة التعقيد.

بجميع المقاييس الإستراتيجية والجيوسياسية، طريق إيران في العراق مليئة بالألغام ولن تتمكن من الهيمنة عليه، كما أن العراق نقطة ارتكاز إستراتيجية مهمة في الأمن القومي العربي، رغم غفوة العرب. والعراقيون رغم جرحهم النازف لن يسمحوا بتغيير هويتهم وبسيادة غير عراقية على أرضهم.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر