الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

عن عرب أصابتهم حرفة الاستشراق

يحلو لبعض مستشرقي الربيع العربي 'التفرغ' لمصر، والظهور في هيئة حكيم يحيط بكل شيء علما، ويطلق الأحكام القاطعة عن كل ما يحدث أو يعلن عن الشروع في فعله في مصر.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/03/17، العدد: 9859، ص(8)]

هذا السطور مهداة إلى الأصوليين.

أكاد أفقد الأمل في الأصوليين الدينيين، وأحتفظ ببقايا أمل في ممثلي الأصولية الأخرى، ربما لأنهم عانوا غباء من يحتكرون الحديث باسم الله، ولديهم فائض من حس نقدي وقلق يدفعهم إلى مراجعة المسلمات، وإن كان بعضهم، في الوقت نفسه، أصابته عدوى التوجه الدوغمائي ذاته، فيحقق مخاوف شارلي شابلن حين أقر بأن السم العنصري انتقل من الجلاد النازي، إلى ضحية تمارس عنصريتها على الفلسطينيين. متى تردد أصوليّ في الفتوى؟

في سنوات الجاهلية كنت مستعدا للإفتاء في أي أمر يخص الدين، لم أكن قد تجاوزت الخامسة عشرة، ولكن قراءة بضعة كتب للألباني وابن عثيمين والمودودي وابن تيمية وسيد قطب ومجلة “الدعوة” الشهرية الناطقة باسم جماعة الإخوان المسلمين أهلتني لأن أقول بثقة: “هذا حلال وهذا حرام”. والحق أنني وغيري كنا نستسهل أن نقول: “هذا حرام وهذا حرام”؛ فلا يليق بنا أن نتسامح مثل الشيخ يوسف القرضاوي الذي رأيناه آنذاك نموذجا للتساهل في ما يخص “شرع الله”، ولم يقنعنا كتابه “الحلال والحرام في الإسلام”؛ لأنه سقف يحول دون تطلعاتنا الدوغمائية، فاستقوينا على القرضاوي وكتابه بكتاب “الإعلام ببيان أخطاء الشيخ القرضاوي في كتاب الحلال والحرام” تأليف صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان.

ربما يلتمس البعض عذرا للأصولي الديني في ممارسة “الإفتاء المجاني”؛ فهو يستند إلى أصول واجتهادات راسخة، لم يُعترف بما تلاها. أما الأصولي الآخر فلديه ما يكفي من الدياليكتيك الذي يفترض أن يمنحه نعمة الشك، ومحاورة النفس ولومها إذا لزم الأمر، وعدم الزهو بما يحققه من نصر على خصومه، فربما كانوا أقوى حجة وأقل قدرة على البيان. فمن أين له هذه الجرأة على فتوى سياسية لا تستند إلى “أصول” واجتهادات راسخة كالتي يدعي الأصولي الديني امتلاكها؟

بعد خلع مبارك في 11 فبراير 2011، رفض بعض الماركسيين إطلاق مصطلح “الثورة” على ما شهدته مصر منذ 25 يناير، تحديدا منذ “جمعة الغضب”. أسعدهم وأسعدنا ما حدث، ولم تشغلنا مصطلحات تتراوح بين “انتفاضة” و”احتجاجات” و”هبّة شعبية”، وغيرها من “اجتهادات” تستر العورة المنهجية في السعي إلى القياس على كتالوج سابق. ثم جاءت موجة 30 يونيو 2013 لتضاعف الارتباك “الاصطلاحي”، وتلقي إلى الشاطئ بما وراء التردد السابق، في حرمان 25 يناير من جنة “الثورة”. سارعوا إلى استدعاء مصطلح “انقلاب” في إهانة ثانية لشعب يتعالى على ما لا يعجبه، وليس لديه كوابح ولا حدود للمقاومة المتنوعة، بما يمتلك من أرصدة إبداعية للسخرية بداية من جمال عبدالناصر عقب هزيمة 1967، حتى نشيد “صليل الصوارم”، بضاعة داعش التي جعلها المصريون مسخرة يرقصون على موسيقاها في الأفراح الشعبية.

لم تكن 25 يناير مؤامرة، ولا 30 يونيو انقلابا. كلتاهما موجة لحدث كبير مستمر، أبدعه الشعب ولم تنته فصوله. هذه حقيقة مجردة لا ترتبط بما ترتب على أي منهما من انتكاسات مرحلية، تؤخر نتائج الثورة التي تعرف اتجاها واحدا، إلى الأمام، فالتاريخ يتقدم، وإن تلكأ قليلا كما قال ماركس، في منحنيات قذرة. في التفسير الأصولي بوجهيه، تستحضر نظرية المؤامرة، وهذا لا يليق، إلا إذا اعتبرنا الإسلام نفسه مؤامرة قرشية، دبّرها ونفذها “الطليق بن الطليق” معاوية بن أبي سفيان، بمساعدة عمرو بن العاص، للاستيلاء على بلاد العرب والشام وما حولها، بعد 29 عاما من وفاة صاحب الرسالة.

لا أستغرب جرأة الأصولي الديني على الفتوى، أعلى تمثيلات الشهوة الدينية، ولكني أشفق على أصولي آخر يفترض أنه يعي مكر لعبة السياسة، وأن ما يظهر منها أقل بكثير مما يتاح له أو لغيره، وفي هذا الضباب الكثيف لا يكون أفضل من الصمت إلا إثارة الأسئلة، بدلا من إطلاق الأحكام، وادعاء امتلاك القدرة على الحكم بالحرمان الثوري والوطني، وهو ما عناه جورج ديهاميل، في كتابه “دفاع عن الأدب”، قبل 79 عاما “السياسة والحب… لذة الفقير، اللذتان المجانيتان… السياسة… تثمل وتثير انفعالات وتجني مفاجآت… وهي تتغذى بكل الشهوات، وخاصة بأحطها، فهي غنيمة طيّبة للنفوس الخاوية”.

بعد 30 يونيو 2013 كتبت، أكثر من مرة، أن من يمتلك يقينا وسط دخان قنابل غاز الشرطة، وتفجيرات كنائس ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، وقتل مجاني لأبرياء وقتلة، فهو نبيّ رسول. ولم يكن المستشرقون العرب الجاهزون بفتاوى التكفير الثوري والسياسي من سلاسلة الأنبياء، هم مضحكون على وعي بأنهم ألسنة بعض محميات الخليج، ولديهم يقين يفسّرون به ما يلقى إليهم من معلومات وشائعات، في استهانة بالمنهج النقدي وإعادة لتراث الاستشراق. في كتابه “تغطية الإسلام” يسجل إدوارد سعيد التعاون غير البريء بين الاستعمار وكثير من المستشرقين، لدرجة يندر معها وجود خبير من خبراء الإسلام لم يكن مستشارا لحكومة بلاده، مستشهدا بالمستشرق الهولندي سنوك هوخرونيه (1857 – 1936) الذي “استغل الثقة التي أولاه المسلمون إياها في تخطيط وتنفيذ الحرب الهولندية الوحشية ضد أبناء شعب أتشيه المقيمين في سومطرة”.

يحلو لبعض مستشرقي الربيع العربي “التفرغ” لمصر، والظهور في هيئة حكيم يحيط بكل شيء علما، ويطلق الأحكام القاطعة عن كل ما يحدث أو يعلن عن الشروع في فعله في مصر. وليس من الحكمة تكرار “اجتهادات” هؤلاء بإلقاء تهمة الاستكانة بشعب هذه المحمية الخليجية أو تلك، فمصر أوْلى بالانتقاد لأنها “دولة”، صحيح أنها هرمت وتنتظر تجديدا شاملا ينسف طبقات العفن والركام والبلادة، ولكنها تستعصي على السقوط ولو هزم جيشها في معركة، ولكن مستشرقي البترودولار يرون بعين واحدة، وتغفل الأخرى عن عرش تهزه قصيدة لشاعر أعزل، ينتقد حاكما سابقا.

لو أمر هؤلاء بإيجاد سند من القرآن للعقوبة، فربما لن يترددوا في القول إن هذا شاعر من الغاوين “أنساه الشيطان ذكر ربه، فلبث في السجن بضع سنين”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر