الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

العراق على سكة مقام النوى

مرضى بالعصاب يجوبون أرضنا، تتنازعهم قيم الاجترار، يلوكون النصوص والحوادث، ويحولون صراع السطور وتباين الأفكار، إلى سيطرات دم ومجاميع استلاب ومهانة للحياة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/03/18، العدد: 9860، ص(8)]

زرت قبل أيام صديقا مقربا لي، بعد هاتف قلبه، مررت به في مشفى، قبضت على يده، كانت ترتجف مثل عصفور مبلل، قال: توقفت منذ أيام عن الكتابة، تركت الورقة بيضاء مع سكك السطور، خشيت عليها أن تتلوث بحرائق الكلمات ونثار رذاذ الدم المسفوح في البلاد، تناولني خوف مبهم وضياع هوية، فتوجست أن ينحاز قلبي لقاتل أو سفاح أو سلطة سلاح، لكن ما حدث هو انحياز ضغط دمي، بوصلتي دم الأبرياء التي لا تخطئ الصعود إلى قاطرة الكتابة، لكنك تأخرت؟ عن ماذا؟ عن الاهتمام بصحتك، وماذا أفعل والسبتايتل في كل مجاري الفضاء يحمل جثث أهلنا يلقيها دون مبالاة في حيز الفراغ، حتى أن طفلا لم يبلغ السادسة انقض على أبيه متوسلا ألا يتابع الأخبار، لأنها ستقتله، سألني أنت ماذا تفعل كي لا تموت قهرا؟

قلت: أنا كما أنت، لكنني بدلا عن التهام كمية الحشيش وهوس أنباء الموت أدرب نفسي على التعامل مع الحقائق على الأرض، حتى لا أخسر من أحبهم من أصدقائي الذين أتواصل معهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وعشت معهم سنوات طويلة دون أن نحتاج في يوم ما إلى أن نبرز هويتنا الدينية أو المذهبية أو القومية أو الإثنية، سقطوا في فخ الانحياز لغموض الواقع أو وقعوا ضحية الاختيار بين حماقات الدم، قمت بتعليق تعليقاتهم المخيبة للآمال على مشجب الأيام، لعلهم جميعا سادة محترمين وسيدات محترمات في يوم تستقر فيه النفوس وتنجلي الغربان التي تحوم فوق أرضنا، يعودون إلى رشد أيامنا ومحبتنا.

قال: وماذا فعلت أيضا؟ قلت: أنشر على صحفتي كل ما يعيد الحياة للحياة. كيف؟ أختار أجمل صوري مع أحبتي، لنتذكر أننا أبناء وطن واحد بل عائلة واحدة، أعيد إلى أسماعهم أغنيات كنا نبكي لرقتها ونهيم في كلماتها. أذكرهم بأم كلثوم وعبدالوهاب وحليم وفريد ونجاة وفائزة وشادية، أليست بلاد العُرب أوطاني، أستعيد ناظم الغزالي وذاكرة دربونته وصداقته مع شهوبي جارهُ صاحب أشهر مطعم (للباقلاء بالدهن) والطرشي مقابل شارع المتنبي. هل هناك من يصدق أن أحدهم سيخاصم الآخر ولو ذات مساء، وأعيد إليهم المدلل ابن صاحب مقهى عزاوي الذي تربطني به صلة قرابة تتيح لي تتبع تلك القصة لأغنية نستذكر فيها نوع الزعل “وفراكهم بجاني” في المقام العراقي، ولن أنسى زراعة بذور الأمل في تربة الغد.

ماذا عن الموقف من التطرف والتشدد وبرك الدم على أرضنا؟ أجبته: لا يحصل عندي التباس أبدا، فالعراق وأهله نحن أدرى بهما، حتى الإنكليز لم يتمكنوا من حكمه مباشرة وتم تلقينهم درسا في الهروب والقبول بالأمر الواقع بعد سايكس بيكو، والتاريخ يخبرنا أن الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية كانتا تريا في العراق لقمة دسمة، وعندما تغص إحداها باللقمة يتم الخناق عليها من الأخرى، وبعدها ينفرد العراقيون بالإمبراطورية التي ساورتها الظنون أن العراق سعيد باحتلالها، والثورات الكبرى شاهد على الرفض والمقاومة.

ولأن صديقي المقرب يشبهني ويشبه أهلنا في كل بيت ولغة وغربة، شعرت أني أتكئ عليه لأنهض من وحشة روحي بسبب ما أخبئه من خيبة أمل بمصير بلادنا التي ترقص في الحفرة وليس على حافاتها. كنت أرى صديقي على سرير مشفاه، وطنا في صالة عمليات كبرى، ورغم ممنوع الدخول لكن الحمقى يدخلون بصراخهم وعاداتهم الغريبة، ويتواطأ معهم من يتواطأ من الخدم والأتباع.

ربما ما أكتبه لا يدخل من باب آراء السياسة لكنه في عمق المأساة، هو الإحساس بانعدام الهواء في رئة الكاتب، وغياب الوعي باحترام الحياة الإنسانية وتجاهل المدنيين ودمهم ومصيرهم في النزاعات التي يغلب عليها طابع التعصب.

مهما سارع بعضهم بتطمين الآخر أن الغد سيحمل له الخلاص من مصيبة وكارثة الخارجين عن الزمن، فالخوف كله من شرور القلب المدرب على خدمة طاولات مسبقة أُعد لها منذ أمد ليس بالقريب على الثأر والانتقام.

“سايكو” مرضى نفسيين بالعصاب بكل الاتجاهات يجوبون أرضنا، تتنازعهم قيم الاجترار، يلوكون النصوص والحوادث، ويحولون صراع السطور وتباين الأفكار والمعتقدات، إلى سيطرات دم ومجاميع استلاب ومهانة للحياة وإلغاء لكل جهد البشرية في إقامة المجتمعات المستقرة المتطورة، تحت سقف العدالة والقوانين والقضاء والتشريعات التي تحمي الإنسان وتعزز إيمانه بغده وغد أجياله.

ماذا يدور في خلد من يتعاطى بالفعل ورد الفعل، بالتعامل بالمثل السيء والهمجية من قبل أعداء الوجود إلى همجية مبيتة بذريعة توازن الرعب، وهي الموازنة التي أدت إلى انتشار أبشع أنواع الإرهاب في العالم.

أحدهم كتب لي: لا تخف، لم يعد لدينا شيء نخاف عليه، خسرنا كل شيء بسبب مختصر الإرهاب، واليوم تُنبش قبور أهلنا وأجدادنا ولا ندري ما تخبئه الأيام.

أنهض مع صديقي الذي عادت إليه شوارد أملاحه وسكر دمه، تماسكنا معا بعد امتلاء الوريد بحلم العودة للحياة، مصابين بثرثرة القلب وخرس اللسان، قلت: كيف أنت الآن؟ قال: أعتذر إليك لأنني مصاب بذبحة في القلب كلما أصيب قلب العراق، لذلك أبعث إليك بهذيان قلبي القديم، ليس تبريرا لحماقات البلاد التي أودت بكرام القوم إلى سلة اللجوء، لكنه الخوف على صديق مثلك ألا يعذر صمتي وغيابي فتذهب به الظنون.

لا أدري أين سنذهب أنا وصديقي، لكن مؤكد أن لنا سكة زرقاء على ورقة بيضاء، سندفع عليها ما تبقى من ضغط دمنا وقاطرة القلب.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر