الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

التحالف الدولي ضد داعش.. هل من إستراتيجية

وجود واشنطن على رأس تحالف لمحاربة جماعة إرهابية تنسب نفسها إلى الإسلام كاف لخلخلة التوازن، لأن خطاب التشدد الديني يتغذى من معجم لا تزال كلمة الصليبيين فيه ذات قيمة.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/03/21، العدد: 9863، ص(8)]

أخيرا اعترف الرئيس الأميركي، باراك أوباما، بأن صعود تنظيم “داعش” الإرهابي كان نتيجة”غير مقصودة” لعملية غزو العراق عام 2003، وذلك خلال تصريحات له لإحدى القنوات الفضائية الأميركية.

بيد أن أوباما لم يكن يقصد من كلامه، في غالب الظن، إدانة سياسة سلفه في الإدارة الأميركية، بقدر ما كان يهدف إلى طمأنة العرب، الذين ضاقوا ذرعا بالإرهاب الديني، بأن التحالف الدولي، المشكل من ستين دولة بزعامة أميركا، سوف يقوم بتصحيح الخطأ غير المقصود، وذلك بأن”يدفع تنظيم داعش ببطء خارج العراق”.

غير أن المشكلة ليست في وقوع الخطأ فحسب، وقد مر عليه ما يفوق عشر سنوات، بل المشكلة في ما هو التعريف الذي يعطيه باراك أوباما لـ“خارج العراق”.

يقال بأن هدف التحالف الدولي هو القضاء على “الدولة الإسلامية”، ولكن لم يُكشف حتى اليوم عن الإستراتيجية التي يسير عليهـا هذا التحالف وعن المخطط المستقبلي لما بعد القضاء على الحـركة المتشددة، وما هو مصير الآلاف من المقاتلين الذين تدفقوا عليها من كل حدب وصوب؛ هل سيتم تذويبهم في أفـران الغاز؟ هل سيتم تجميعهم في مراكز اعتقال شبيهة بغوانتانامو؟ أم ستفتح أمامهم أبواب العودة إلى الديار، كما يقول المحاربون الأميركيون؟ وفي حال تحقق هذا السيناريو الأخير، ألا ينذر ذلك بإشعال فتيل حروب أهلية داخل أوطان العرب؟

لم تورط الولايات المتحدة العراق فحسب، بغزوها لهذا البلد عام 2003، بل ورطت العالم العربي بكامله. فما تعيشه المنطقة اليوم ليس سوى تحولات الحالة العراقية، التي أنتجت أبشع أنواع الإرهاب باسم الـدين، ممثـلا في جماعة الزرقاوي التي ولد منها تنظيـم “داعش” الحالي.

لكن العامل الرئيس لم يكن غزو العراق في حد ذاته، وإنما الغزو مضافا إليه التلاعب بالنسيج الطائفي العراقي، حتى بدأ يجري الحديث عن أقليات داخل العراق، تبعا للنغمة الاستعمارية القديمة في القرن التاسع عشر في الشرق الأوسط؛ فعندما يكون المجتمع العراقي مكونا من نسيج متعدد المذاهب والطـوائف يصبح الحـديث عن أقليات بمثابة إعلان حرب، وهو ما حصل بالفعل، وأدى إلى تفكك هذا النسيج، ولم تكن جماعـة أبو مصعب الـزرقاوي سوى انعكـاس لهذا التفكك الذي أنتج الظاهرة الإرهابية؛ فقد شجعت الولايات المتحدة الخطاب الطائفي، فكان لا بد أن تستثار النزعة الطائفية.

الإدارة الأميركية لا تبحث، ولا تريد، حلا حاسما لأي مشكلة، بل تجرب حلولا مختلفة حسب السياق والمرحلة، ثم تختبر قوة تلك الحلول وفقا لمصلحتها

مع الحالة العراقية أصبحت الحالة الأفغانية في الثمانينات من القرن الماضي من الأوراق الأرشيفية، لمن يريد الاطلاع فقط؛ فقد تجاوزت الحالة العراقية تلك التجربة العشرات من المرات، إذ الأمر اليوم يتعلق بمشروع دولة في قلب المنطقة العربية في المشرق، وبآلاف الأنصار والمهاجرين؛ ثم إن هؤلاء يجمعهم كلهم مشروع واحد هو الذي يدعي تنظيم “داعش” التعبير عنه، خلافا للتجربة الأفغانية حيث كانت الانقسامات سيدة الموقف وسط “المجاهدين العرب”، وحيث كان الأمر يتعلق بخيام ومعسكرات لا بإقليم تبسط عليه دولة سيادتها بقوة السلاح، مما سهل أمر القضاء على تلك التجربة سريعا.

أظهرت الحروب السابقة في العالم العربي أن التحالفات الدولية التي تقودها الإدارة الأميركية تكون نتيجتها المزيد من الحروب والتهديدات الإرهابية، وهو ما يُخشى وقوعه اليوم.

لدى الولايات المتحدة ما تبرر به قيادتها للتحالف الجديد، لكن ماذا لدى العرب من مبررات لكي يخوضوا الحرب تحت مظلتها، وهم الذين يشتكون من الإرهاب باسم الإسلام؟

مجرد وجود واشنطن على رأس تحـالـف لمحاربة جماعـة إرهابية تنسب نفسهـا إلى الإسلام كاف لخلخلة التـوازن، لأن خطاب التشـدد الـديني يتغـذى على معجم قديم لا تزال كلمة الصليبيين فيه ذات قيمة.

إن التخوف الرئيسي هو أن يكون المقصود بعبارة”خارج العراق” في خطاب باراك أوباما هو أي مكان آخر غير الشرق الأوسط، حيث إسرائيل والنفط؛ وإذا خرجنا من الشرق الأوسط فلا مكان آخر غير شمال أفريقيا، وقد أصبحت اليوم هدفا للجماعات الإرهابية المتشددة وعلى رأسها تنظيم “داعش” الذي يسعى إلى تجميع أنصار له في المنطقة، لتنهض بديلا محتملا لفقدان “دولة الموصل”. مثل هذا السيناريو يظل واردا، للسبب أعلاه، ولكن لسبب آخر يرتبط بقرب المنطقة من أوروبا، ولدى أميركا أكثر من سبب لرؤية أوروبا وهي تتخبط على حدودها في حروب ضد الإرهاب.

مع انتشار جماعات الإرهاب وتمدد تنظيم “داعش” فإن لا سقف للتوقعات، لكن شيئا واحدا لا يمكن توقعه وسط هذا الزلزال الذي ضرب العالم العربي، وهو احتمال مراجعة الولايات المتحدة الأميركية لسياستها تجاه المنطقة العربية وقضاياها.

وفي هذا النطاق فإن اعتراف أوباما بأن غزو العراق من طرف بلاده كان خطأ لا يقدم ولا يؤخر بالنسبة لمصير العالم العربي، فالنتيجة واحدة في النهاية، لأن الإدارة الأميركية لا تبحث، ولا تريد، حلا حاسما لأي مشكلة، بل تجرّب حلولا مختلفة حسب السياق والمرحلة، ثم تختبر قوة تلك الحلول وفقا لمصلحتها.

والقاعدة في السياسة الدولية الأميركية أن واشنطن إذا ربحت فهي تربح بمفردها، لكن إذا تورطت تورط معها الآخرين.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر