الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

في الذكرى 12 لاحتلال العراق: حقائق لا تموت

البرنامج الأخطر على حاضر ومستقبل أبناء العراق والمنطقة الذي تنفذه كل من أميركا وإيران كل على طريقتها، هو تعزيز ميادين الاحتراب والتناحر الطائفي وتغييب الهوية الوطنية.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/03/23، العدد: 9865، ص(9)]

لم يكن الاجتياح العسكري الأميركي للعراق واحتلاله ناتجا عن امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، وإنما لأهداف أصبحت واضحة لبسطاء الناس. كانت الأهداف مركبة وضعت العراق قاعدة لتغيير شامل في المنطقة، يتناول النظم السياسية والعلاقات بينها وبين شعوبها، تختفي فيها أيديولوجيات العروبة والقومية والدين وصلات المجتمعات التقليدية، وتحل محلها معايير المذهب والأقلية عبر فوضى احتراب وتصادم دموي، تكون فيها أميركا هي المستفيدة ومعها إسرائيل ومن يتحالف معهما إقليميا في هذا المشروع التدميري. الوثائق والشهادات كثيرة ﻻ أهمية لتكرارها لكن المهم والمرتبط بتداعيات العراق والمنطقة هو الإشارة إلى الحقائق التالية:

أولها؛ تحقيق هدف إسقاط النظام في العراق وتدمير دولته عبر الاحتلال العسكري المباشر، تلبية لتوصيات مجموعة المحافظين الجدد التي هيمنت على القرار السياسي الأميركي خصوصا في عهد جورج بوش الأب الذي نفذ توصيات أكثر المستشارين تعصبا لإسرائيل هما ريتشارد بيرل وبول وولفتز اللذان كانا مستشارين بذات الوقت لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو عام 1996، وقد حضر وولفتز لبغداد في الساعات الأولى للاحتلال عام 2003 قبيل التحاق بريمر بمهمة الحاكم العام للعراق، وتعرض حينها لمحاولة اغتيال من قبل المقاومة العراقية. وكانت غبطة قادة إسرائيل بسحق جيش العراق عالية.

قال المحلل السياسي لصحيفة بديعوت حرونوت بتاريخ 19 مارس 2003 قبل يوم واحد من حرب الاحتلال “الحرب الأميركية المحتملة على العراق ستكون الحرب السابعة في تاريخ إسرائيل منذ تأسيسها عام 1948 ويمكننا استنتاج أن الحرب السابعة لإسرائيل ستكون حربا بلا ضحايا وسيبدأ منها الانقلاب المأمول في الشرق الوسط”، وبعد أسبوع من احتلال العراق عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون عن ارتياحه لزوال التهديد العراقي.

الحقيقة الثانية، فاجعة القيادات الأميركية كانت مذهلة، فلم تخرج الجماهير العراقية حاملة باقات الورود مرحبة بجنود بوش، حسب استشارات بعض قادة المعارضة العراقية، وإنما خرجت حاملة السلاح بوجه اﻻحتلال. وشكلت تلك الصدمة أولى العلامات المحبطة للاحتلال وتلاشي نشوة النصر لدى قياداته، وتراجع مشروع الشرق الأوسط، رغم استمرار أعوان الاحتلال ببهجتهم ووصفهم المحتل ورمزه بوش الابن بالمحرر التاريخي، لدرجة تقبيلهم العلم الأميركي في مقابر الجنود القتلى داخل الولايات المتحدة، في تحد سافر لكل قيم الاعتزاز بالسيادة الوطنية.

الحقيقة الثالثة التي تتعزز بحقائق اليوم خصوصا بعد دخول داعش للعراق، هي التنسيق الإيراني الأميركي على مختلف المستويات. ظهرت تقارير كثيرة تحدثت عن الدور الإيراني في تسريع احتلال أميركا لهذا البلد من خلال عمليات استخبارية تضليلية قام بها وكلاء مزدوجون لإيران وأميركا. إضافة إلى عمليات التنسيق السياسي المباشر، مما دفع الكثير من المسؤولين الإيرانيين للحديث عن أفضالهم على أميركا في تسهيل دخولها للأراضي العراقية.

ويتعزز اليوم هذا التنسيق من خلال عمليات الحرب على داعش، حيث رحبت واشنطن بالتواجد الإيراني المباشر وغير المباشر على جبهات القتال ضد داعش، التي أصبحت مظلّة لكثير من الصفقات، والاتفاق النووي واحدا منها والذي سيطلق يد إيران كعضو فاعل في النادي النووي.

الحقيقة الرابعة وهي الأكثر إيلاما لضمير الإنسانية، مسلسل القتل والتعذيب الوحشي الذي نفذته عصابات الاحتلال الأميركي ضد من وصفتهم بالمقاومين داخل السجون التي أنشأتها. وكشفت شهادات من تمكنوا من النجاة عن فظائع اغتصاب العذارى من النساء وتصويرهن عاريات أمام ذويهن، ولعل قصة الشابة العراقية عبير قاسم الجنابي أصبحت مشهورة لما احتوته من فظاعات في الاغتصاب ثم التشويه والقتل، وكذلك فضيحة سجن أبو غريب تعلمت وسائلها الميليشيات الطائفية فيما بعد.

الحقيقة الخامسة والبرنامج الأخطر على حاضر ومستقبل أبناء العراق والمنطقة الذي تنفذه كل من أميركا وإيران كل على طريقتها هو تعزيز ميادين الاحتراب والتناحر الطائفي وتغييب الهوية الوطنية، باعتبارها إحدى “مخلفات نظم الدولة الوطنية” التي لا تستقيم مع مشاريع تفتيت المنطقة.

في العراق تتوافق إيران وأميركا على جعل الانقسام الطائفي وسيادة المذهب وسيلة حيوية لتسهيل الانقسام والتشرذم والفوضى، وتغييب مقومات الوحدة التاريخية لهذا الشعب، لأنها تتعارض مع ما تدعيه طهران من طغيان إمبراطوريتها الفارسية وانبعاثها من جديد ضد “العرب الحفاة”، وأميركا تتملكها عقدة التاريخ والحضارة، وتجد نفسها في غربة عن الجذور مع أنها تقود الحضارة المدنية العالمية.

إيران دعمت المشروع السياسي الأميركي لاحتلال العراق القائم على إزاحة مقومات الوحدة الوطنية العراقية وتدمير مؤسساتها وتغييب نخبها العلمية، وإنبات التوزيع الطائفي للنظام السياسي وتضمينه في الدستور. لذلك وجدنا ترحيب الأحزاب السياسية الشيعية بهذا المنهج لكونه يرضي طهران، وكذلك الأحزاب الكردية لكونه يشرع الدولة القومية الكردية، ولعل هذا البرنامج المتوافق عليه بين واشنطن وطهران يعمّم اليوم على مساحات إستراتيجية مهمّة في المنطقة العربية والخليج بصورة خاصة، حيث لن تأمن دوله من هذا الخطر القادم إن لم تتخذ إجراءات استراتيجية تحمي شعوبها.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر