الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

البيان رقم 1

البيان رقم 1 لم يتطرق إلى الترويكا التي دشنت مواسم الهجرة التكفيرية إلى سوريا وشرعت تحويل الآلاف من الشباب التونسي إلى وقود حروب أمم على أرض الشام.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/03/24، العدد: 9866، ص(9)]

بعد 4 سنوات من سياسة اليد المسترخية ضدّ الإرهاب، وعقب حكومتين إخوانيتين اختارتا الرقص مع ذئاب السلفية التكفيرية، واعتمدتا سياسة التحالف غير المعلن مع الدواعش ممثلين في “أنصار الشريعة”، أصدرت الدولة التونسية ممثلة في رئيسها الباجي القايد السبسي البيان رقم 1 في حرب تونس، الدولة والمؤسسات والشعب، ضدّ الإرهاب فكرا وممارسة.

هي من المرات القليلة التي يتنزّل مصطلح “الحرب” في المعجمية السياسية الرسمية التونسية التي كثيرا ما تختار مفردات الحزم والانضباط والإلزام، تجنبا للخوض في غمار الحقل الدلالي “الصدامي” الذي يرفضه التونسيون سجية فكرية وسليقة اجتماعية.

اختار السبسي ذكرى الاستقلال لإعلان حرب معاني ودلالات الحرية والتحرر والسيادة ضدّ الأفكار الظلامية والعمليات الإجرامية التي تعبث بالبلاد والعباد. البيان رقم 1 في الحرب على الإرهاب جاء جازما في نقاط معينة، ولكنّه كان “محـجما” في نقاط أخرى لا بدّ من الوقوف عندها.

لغة الجزم انسحبت على ملفات “التقاطع والتوافق الوطني”، وفي وحدة الصفّ في الحرب على الإرهاب بما يعنيه من إجماع محلي بضرورة إخراج موضوع الإرهاب من فضاء التطارح الفكري ومن سياق الاختلاف في المقاربات، فالإرهاب ليس وجهة نظر، والإرهاب تفسّر طبيعته ولا تبرّر كينونته.

الجزم أيضا تجسّد في آليات الحرب على الإٍرهاب من حيث إلزامية تسليح المؤسسة العسكرية والأمنية الوطنيتين بأعتى أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، وتأمين الدعم اللوجستي والاستخباراتي لخطّ الدفاع الأوّل عن حرمة الوطن، والتسريع في سنّ قانون للإٍرهاب يقدّم حرمة الأوطان على حرية الإنسان دون تناقض بينهما.

بيد أنّ الإحجام تسرّب إلى البيان رقم 1، في نقطة المحاسبة الأخلاقية والسياسية لمن تغافل عن الخطر الإرهابي وشرّع لاستيطان الجماعات التكفيرية للمساجد، وتعامل مع الإرهاب في الأقطار العربية الأخرى على أنّه “استتباع” ثانوي من استتباعات الثورة والانتفاضة ستندثر بمجرّد سقوط أنظمة الفساد والاستبداد في العالم العربي.

لم يتطرق البيان رقم 1، إلى حكومات الترويكا بقيادة إخوان تونس والتي دشنت مواسم الهجرة التكفيرية السلفية إلى سوريا، والتي شرّعت تحويل الآلاف من الشباب التونسي إلى وقود حروب أمم على أرض الشام، والتي لم تنظر في أحوال دول باتت ضحيّة لذات إرهاب دعمته سياسة وسلاحا ودبلوماسية في الأمس القريب، وأطلقت على نفس من تسجنهم وتلاحقهم وتغتالهم اليوم، ألقاب “فرسان الحريّة والثوار الأحرار”.

من حقّ رئيس الجمهورية أن يرمّم حالة التوافق القائمة اليوم بشيء من التجاوز والتجاهل، ولكن من واجبه أيضا حيال الشعب والثورة والتاريخ، أن ينظر في شخوص الواقفين صفا واحدا في مواجهة الإرهاب، ففيهم من أجّج نيران الفتنة والإرهاب في سوريا، وفيهم من صفّق للتدخل الدولي أصل الدولة الفاشلة في ليبيا، وفيهم من يقارب حرب الدولة المصرية على الإرهاب على أنّها حرب ضدّ حرية الشعب وضدّ حقوقه الدستورية والقانونية، فكيف لجهد سياسي ومدني أن يصدّ إرهابا في تونس يرى فيه قبس ثورة في الأقطار العربية الأخرى؟

هكذا يظهر أنّ الإشكال يقوم على افتقاد “الخيط الناظم” المحدّد لماهيّة العدوّ الإرهابي ولمدى انتشاره، فالحرب ليس فقط ضدّ “داعش” وإن كانت يداه الطولى بل الحرب مع “منظومة” التكفير والتفجير والتفخيخ التي تضرب إقليميا وقاريا، حتّى وإن لم تبلغ مداها بعد العمق الإستراتيجي لتونس.

الذين يقتصرون الحرب على الإرهاب في تونس وليبيا فقط، ولا يربطونها بمنظومة الإرهاب في مصر والعراق ولبنان وسوريا، إمّا هم غارقون في وهم “القُطرية”، ولهون بالمقولة التفسيرية “الاستثناء التونسي”، وإما هم مكابرون عن حقيقة الإرهاب المتخفي وراء دعوات التحرير الثوري، وفي الحالتين هم أعجز عن أن يكونوا درعا لحماية الوطن، ذلك أنّ منهم من كان يوما خنجرا في ظهر تونس والأمة العربية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر