الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الممسحة سلاحا

في البيت، وأينما تكون جالسا لدى حضور الهوفر، المكنسة الكهربائية، ستتجه المرأة بحقدها التاريخي إلى حيث تجلس وستقول بلهجة آمرة: ارفع رجلك.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/03/24، العدد: 9866، ص(24)]

كنت في بيروت أزور مفكرا بمكتبه في صحيفة معروفة. المفكرون لديهم مكاتب يمارسون فيها التفكير. وأنا طوال عمري أود لو اشتري لوحة كتلك التي عندنا في العراق يعلقها أصحاب المتاجر زينة وحكمة مكتوبة بخط الثلث ومغطاة بلوح زجاج ومحاطة بإطار مذهّب. اللوحة تقول بفعل الأمر: لا تفكر لها مدبّر.

الأمر بـ”لا تفكر” مكتوب ببنط عريض مهيمن ثم تمضي العبارة لتوضح ببنط أصغر: لها مدبّر. هذه الحكمة تليق بمكاتب المفكرين حتما لكنك لا تجدها إلا عند الإسكافي ومصلح الساعات وبائع الخردوات وغيرهم، أي فقط عند الذين لا يحتاجون إلى النصيحة العظيمة: لا تفكر.

تأخر الوقت بنا وفات الغروب ودخل الليل. ودخلت امرأة تحمل سطلا وخرقة مسح مثبته في أسفل عصا طويلة وراحت تمسح البلاط. توجهت إلى حيث أجلس وقالت بلهجة آمرة لا تناسب موقعها: ارفع قدمك. رفعت اليسرى فقالت بامتعاض وبنفس اللهجة المتسلطة: والأخرى.

جلست ورجلاي مرفوعتان بوضع مهين ومزر. لاحظت أن السيدة المنظفة أطالت التنظيف في تلك البقعة وأنا لا أجرؤ على إنزال رجلي. ثم مضت إلى حيث يجلس بقية المفكرين من حواريي صاحب المكتب وفعلت بهم نفس الشيء. انتبهت إلى أن المرأة عندما تمسك ممسحة تصيّرها سلاحا للثأر من الرجال. ثأر قديم تحمله بنات جنسها منذ أن كان الرجال يسحلوهن من شعورهن في عصر الكهف، رغم أني لا أصدق حكاية عصر الإقامة في الكهوف.

أذهبُ إلى مصر وأخمّن أن كهوف مصر كلها لا تكفي لإقامة سكان شارع البادية في مصر الجديدة. لا بد وإن كانت هناك أزمة كهوف، فإن أزمة الإسكان في مصر ليست جديدة.

قلت فكرتي عن الثأر والممسحة فامتعض المفكر الكبير لا لشيء إلا لأنه لم يفكر فيها. وهذا خطأ لا ترتكبوه في حضرة المفكرين. لا تقولوا فكرة لماحة ومضحكة فسيغضب لأنه لم يفكر فيها. التفكير حكر عليه.

في البيت، وأينما تكون جالسا لدى حضور الهوفر، المكنسة الكهربائية، ستتجه المرأة بحقدها التاريخي إلى حيث تجلس وستقول بلهجة آمرة: ارفع رجلك ويبدأ الفاصل الكوميدي والمضحك فيه أنت ورجلك المعلقة في الهواء بتلك الطريقة المهينة.

ولا تنسى أنك في المطبخ أيضا تجعلك المرأة تحس بالذعر المضحك. أينما تقف ستقول لك ابعد عن هذا الدرج أو ذلك الدولاب. ستكون في حاجة إلى شيء لا يكون موضوعا إلا حيث تقف أنت لتأمرك بالابتعاد. تسلّم بالأمر وتقف عند باب الثلاجة فيتضح أنها تريد شيئا منها لحظة لجوئك إلى حيث الثلاجة طلبا للأمان، لائذا من مواقع الأدراج والدواليب.

الأسبوع الفائت صارحت زوجتي بأفكاري هذه فابتسمت بمكر واعترفت، تقريبا، بصحة ما جاء في أعلاه وبأن المكنسة الكهربائية سلاح في معركة الجنسين.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر