السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

رسائل متأخرة من زمن الحصار

الدولة الدينية والمذهبية في العراق تريد أن تقنعنا بأننا مجموعة قبائل متناحرة، وأن الحل لن يأتي إلا بخبرة قادة فيلق 'القدس' لبلاد فارس بمساعدة طيران 'الشيطان' الأميركي.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/03/27، العدد: 9869، ص(9)]

دائما هناك شيء ظاهر ملموس وراسخ في الذاكرة، بالمقابل هناك ما هو غاطس أو مطموس ربما تم حذفه، وغالبا ما يكون مدانا من قبل كَتَبَة تاريخ السلطة القائمة، وهي سلطة منتصرة، ما يهمنا الجزء الأكبر من تاريخ المهزومين، وعلى الأعم تراثنا يزخر بوجه الأشياء، أما ظهرها فيقع في منطقة مظلمة، وكثيراً ما يفاجئنا على أرض الواقع لنتبين مدى جهلنا وانغماسنا في التفسيرات الجاهزة وبديهيات مسطحة، لن تؤدي إلا إلى واقع ما نراه على الأرض من عنف واستلاب لأبسط اشتراطات حقوق الإنسان.

الإرهاب، مفردة من الظهر، الميليشيات أيضا من القفا المظلم، والمشروع الديني أو المذهبي يتم احتكاره بفضل الانتصار السياسي والهيمنة على مقدرات الدولة.

عطالة في تاريخ العقل الديني، وفائض شعور متزايد بتضخم نسب البطالة الإنسانية، ومهما كانت الأفعال وردودها فنحن أمام استعارات في الاستخدام، على الرغم من تطور الفكر السياسي والدستوري ومفاهيم القانون الدولي، لكننا عايشنا فعلا أمميا تمثل بالحصار على دولة مثل العراق استمر 13 عاما، ضحيته الملايين من البشر، في مقدمتهم الأطفـال والنساء، خلالها لم تكن تشغـل رأس العالم ونتاج تطوره المضيء قضايا حقوق الإنسان، وللذاكرة كانت بغداد تودع الآلاف من أطفالها شهريا بسبب نقص الدواء والغذاء، حينها قالت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية في ردها عن تلك الإبادات جراء الحصار “إنها تستحق، لأنها ضحايا مستقبل البشرية ومستقبل العراق بعد الخلاص من الدكتاتورية”. علما أن أولبرايت كانت ترعى مشـاريع تتعلق بالتنميـة البشرية والإنسانية وتدافع بشراسة عن حقوق الحياة.

الحصار ونتائجه، الاحتلال ونتائجه، الاعتقالات العشوائية ونتائجها، فضائح أبو غريب ونتائجها، إذلال الآخر، إقصاء الآلاف والملايين من الحياة، تهميش تجمعات سكانية كاملة، السجون الأميركية وزج الكثيرين فيها واختلاطهم مع التنظيمات والأيديولوجيات المختلفة، كأنهم أرادوا تخريج الارهابيين بامتياز، “قانون 4 إرهاب” والمخبر السري، عدم وجود مصالحة وطنية حقيقية، غياب المؤسسة العسكرية العراقية بقرار ومطـالب زعماء عراقيـين وموافقة بريمر الحاكم العسكري، عدم النظر في مطالب الناس المشروعة، تفاصيل كثيـرة تمتد إلى الصراع الأميركي السوفيتي، وبعدها الأميركي الروسي، مع ولادة المسخ المذهبي الذي هو صناعة الوجه المهمل والمحذوف من مصارحة الذات، ونموه مع تجاهل الفقر والتنمية في العديد من دول عالمنا العربي والإسلامي، وظهور المشاريع الإمبراطورية القديمة وحلم عودتها في ظل غياب الرادع الدولي، ونشوء منظومات المخابرات الحامية للأنظمة التي تتعاطى بسلوكيات المنظمـات السرية، منهجية تفتيت ما بعد الحرب العالمية الأولى، ثم نـزوع العالم إلى التكفير عـن محارق اليهود الهتلرية وتعويضهم بوطن ديني في فلسطين، وما نتج عن ذلك من صراع بقاء وهوية، حتى وصلنا إلى سقوط دول وتدميرها وتحطيم حلمها الحضاري، بسبب ربط بعض حكام العرب مصيرهم ومصير شعوبهم بقضية تحرير فلسطين، حتى صارت فلسطين مزادا لبقاء الحاكم ودعمه من قبل دول المال، بعضهم ذهب ضحية لإيمانه الحقيقي والآخر وجدها طريقا وسلوكا لإدامة أكبر وأطول كذبة لشعارات المواجهة والممانعة والمقاومة، وآخرها ارتباط القدس بالفيلق الإيراني، الذي يقدم قادته نصائحهم ومشورتهم في معارك تحرير تكريت، والتي تم استبدالها بالعودة إلى مفردة الحصار سيئة الصيت.

اليوم، المعارك نخوضها بين العاطلين عن الحياة وارتباطهم بتراث المهزومين، وفي وقفة مع توقف التقدم نحو استرجاع تكريت من المسلحين والمتشددين وتحت كل التسميات، شعـرت أميركا أن القوات العراقية محرجة بمبالغتها، ومع تشنج الإعلام الإيراني والحكومي العراقي والناطقين الرسميين باسم الحشود الشعبية، تم تطـويق تكريت وقطع الإمدادات عنها، المدة الزمنية غير محددة، قد تستمر شهرا أو أكثر.

المقاربة حاضرة بين احتلال العراق بعد 13 سنة من الحصار وحصار تكريت، إذا كان في تكريت مدنيون فالمصيبة صارخة في فرض الحصار، وإذا كانت خالية من المدنيين فحجة الحفاظ على المدينة ومبانيها غير مقنعة لأن القصف واستمراره لمدة طويلة لإضعاف الواقع العسكري سيكون نتيجة منطقية لتقليل الخسائر، ومع الطلعات الاستطلاعية للطائرات الأميركية وطلب الحكومـة العراقية الدعـم من طيران التحالف، فإن تدمير تكريت صار على جدول مباحثات النووي الإيراني مع إبقاء مأساة النازحين من أهلها وإطالة أمد معاناتهم، وبين تلغيم الطرق المؤدية إلى المدينة وتفخيخ المباني وزراعة العبوات تبدو تكريت برميلا متفجرا.

وفي حالة إطالة الحصار والقصف سيكـون حلا مقبولا لتـدني القدرات العسكرية للمهاجمين قليلي الخبرة، الذين تم دفعهم إلى ساحات المعارك، إما بالحماسة المذهبية أو على طريقة التحفيز القبلية، وفي كل الأحوال كان هذا الفشل من بين أسباب وضع العراق في الترتيب الخامس عشر عربيا على جدول القدرات العسكرية القتالية ضمن دراسة تبنتها إحدى المؤسسات العالمية.

العراق يمضي متسارعا إلى تفتيت الجيش النظامي، والتباهي بمنجزات الميليشيات وتجيير الانتصارات لها، وإعداد المستقبل لأرضية قوى مسلحة تأثيرها سيكون أكبر من الجيش التقليدي في حماية الواقع السياسي، ما يزيد الأمر سوءا الحديث عن الأغلبية السكانية والأغلبية القومية والأغلبية المذهبية، وأخطرها إثارة الصراعات بعد مجزرة سبايكر وبشاعتها، حيث تم استخدامها كورقة لمنع التواصل بين العشائر، وتعرض بعضهم للانتقام لأنهم مدوا أيديهم إلى عشائر الجنوب، وأخيرا طفت على السطح الصراعات العشائرية، حد استخدام الأسلحة الثقيلة بين أبناء العشائر المتجاورة عبر مئات السنين، وهو مؤشر على غياب القانون.

الدولة الدينية والمذهبية في العراق تريد أن تقنعنا بأننا مجموعة قبائل متناحرة، وأن الحل لن يأتي إلا بخبرة قادة فيلق “القدس” لبلاد فارس بمساعدة طيران “الشيطان” الأميركي.

دائما نستمع إلى من يقول لنا: نحن نحارب من أجل المستقبل، والمستقبل دائما يحمل لنا المزيد من المقابر الجماعية، للمحذوفين من قبل كَتَبَة تراث السلطة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر