الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

أسطورة المحرر الذي لا ينام

الصحافة التقليدية تراقب بحذر زحف التكنولوجيا عليها، ساعية لسحب البساط منها، التكنولوجيا الرقمية والصحافة الإلكترونية لا تمتلك تلك الألمعية والحميمية التي تمتلكها الصحافة التقليدية ورموزها ووجوهها.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/03/31، العدد: 9873، ص(18)]

يثير واقع الصحافة إشكالية جديدة قديمة تتعلق بذلك الإنهماك في متابعة الحدث والخبر والواقعة بكل حيثياتها وعلى مدار الساعة، حتى إن هنالك من بين وسائل الإعلام من ذهب إلى أبعد من ذلك، إلى القول نحن مع الحدث ولكن قبل الحدث وذلك من فرط التيقظ والتوقع اللذين يجعلان المحرر مشمرا عن ساعديه في كل يوم وساعة، إنه ذلك المحرر والصحفي الذي تنام الناس ملء جفونها عن شواردها، فيما يبقى هو يترصد ويتوقع ويحلل ويتأمل ويبحث ويستنتج حتى إذا صاح ديك الصباح واستيقظ الناس، وجدوا الصحيفة ساخنة بين أيديهم وأمام أبواب منازلهم وفي مكاتبهم، وأدركوا أن ذلك الصحفي لم ينم حقا ولم تعن له شيئا كثيرا دورة الزمن أمام دورة الخبر والحدث وضرورة رصده وجلبه جاهزا بين يدي القارئ والمتابع.

لكن هذا المحرر الذي مر عليه حين من الدهر وورث مهنة الصحافة وصدق فيه القول أنه تلبّس مهنة المتاعب وتلبّسته، سيجد قرّاءه النهمين من الأجيال الجديدة وهم يلتمسون الخبر والحدث من وسيط تكنولوجي جديد يجاور سرير القارئ ويحضر على مدار الساعة على مكتبه، وسيط برقي سريع بل هائل السرعة لا يقارن بمجهود ذلك الصحفي المكافح الذي خبرناه طويلا واعتدنا على إطلالته وسيرته اللافتة.

وبهذا التجاور بين الوسيطين صرنا أمام واقع، كل منهما يرصد الآخر، الصحافة التقليدية تراقب بحذر زحف التكنولوجيا عليها، ساعية لسحب البساط منها، التكنولوجيا الرقمية والصحافة الإلكترونية لا تمتلك تلك الألمعية والحميمية التي تمتلكها الصحافة التقليدية ورموزها ووجوهها، وصولا إلى هوس يتملك شريحة واسعة من القراء ألا وهو عشق الورق والتفاعل مع الصحيفة الورقية من خلال لمسها وتقليبها والتداخل معها عن قرب في طيات موضوعاتها وتصاميمها، إلى درجة إدراك أن هذا المجهود الكبير كله إنما صدر من محرر لا ينام حقا أو طاقم تحرير لا يعرف للراحة طعما قبل أن يشعر أنه أتحف القارئ بما هو جديد ومميز ومواكب للحدث.

لكن القصة ستتسع إلى ماهو أبعد من ذلك، فيما يخص ذلك التجاور الذي صار أمرا واقعا ما بين صحافة الأمس التقليدية وصحافة اليوم في قسمها الرقمي، فالاقتراب أو الابتعاد من القارئ صارت تزحف نحوه المسألة النفعية وما تحققه الشركات والمؤسسات من ريع إعلاني يتسلل بشكل أسهل من خلال أصغر رقعة ومساحة إعلانية في المواقع الإلكترونية.

يكمل ذلك ماعرف بالمدونات والمدونين (Blogers) وهم فصيلة مستجدة في الميدان، صارت تحاكي صورة وفعل الصحفي والمحرر الذي لا ينام حتى إذا تطور الأمر في هذا المسار صرنا إزاء سؤال يطرحه كثير من الباحثين والإعلاميين اليوم ومفاده مثلا: هل ستتحول مواقع تواصل اجتماعي ضخمة الجمهور مثل فيس بوك وأشباهه إلى بديل صحفي مستقبلي بعد أن تدمج نفسها أو تتقارب وتتكيف وتعدل أدواتها لتحتوي تلك الصحافة اللاهثة وراء الحدث وقبل الحدث، وليحضر بقوة الصحفي والمحرر الرقمي البديل الذي لا ينام ولكنه ينتمي إلى عائلة الأصفار والآحاد وليس إلى دولة أو بلد أو لغة، وهل ستنتهي يومها أسطورة المحرر التقليدي الذي لا ينام ؟

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر