الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

ثقافة الرعب

العلاقة بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، جعلت كلا السلطتين السياسية والدينية تعملان على تكريس هذا الواقع، وتستثمران فيه بما يحقق لهما ديمومة سلطتهما واستبدادهما.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/03/31، العدد: 9873، ص(15)]

منذ بدأت معارض الكتب العربية بالانتشار في منتصف ثمانينات القرن الماضي، كانت الكتب الدينية تتصدر مبيعات الكتب في هذه المعارض. أغلب عناوين تلك الكتب التي كانت تتصدر واجهات دور النشر في هذه المعارض، كانت كتب التفسير والفتاوى وعذابات النار والقبر ومؤلفات سيد قطب وابن تيمية، وهي كتب في أغلبها تروج لثقافة العنف والرعب والغيبيات، بدلا من أن تتوجه إلى مخاطبة عقل الإنسان المسلم، وتسهم في تكوين وعي عصري عنده.

الأخطر في هذه المسألة أن هذه الكتب كانت تباع بأسعار رمزية أقل بكثير من سعر كلفتها، بينما كانت هناك جهات أخرى تقدّم المال لأتباعها ومريديها لشراء تلك الكتب، بهدف تعزيز الإقبال على انتشارها وقراءتها، وهو ما ترافق مع زيادة واضحة في عدد دور النشر الدينية، التي كانت تتلقى الدعم المادي من جهات محلية وخليجية، وتستفيد من هذا التحول في مزاج القارئ العربي.

تساؤلات كثيرة طرحتها هذه الظاهرة تتعلق بالسياسات التعليمية والثقافية في العالم العربي، وقد حاول كثير من الكتّاب والمهتمين بالشأن الثقافي التنبيه إلى مخاطر هذه الظاهرة على الوعي العام، خاصة أن أغلب تلك الكتب تستبدل ثقافة العقل والإقناع بثقافة الرعب والترهيب، التي تخلق حالة من الاستلاب والرهاب، تجعل الإنسان دائم القلق والتوتر، وبعيدا عن الانخراط الفاعل والمبدع في تيار الحياة والعصر من حوله.

رغم كل هذا لم تكلف المؤسسات الثقافية العربية والقائمون على شؤون الثقافة، ومثقفو التنوير والتغيير عناء البحث في أسباب هذه الظاهرة، وكيفية مواجهتها من خلال استراتيجية متكاملة، تعمل على تعميق الوعي العلمي والتفاعل مع العصر وقيم الحضارة والحداثة، سواء على صعيد السياسات التعليمية أو الثقافية أو المؤسسات الدينية والخطاب الديني.

العلاقة بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، جعلت كلا السلطتين السياسية والدينية تعملان على تكريس هذا الواقع، وتستثمران فيه بما يحقق لهما ديمومة سلطتهما واستبدادهما، من خلال إشغال الناس بقضايا غيبية والاستسلام للقدرية، وصرف الناس عن التفكير النقدي والعمل السياسي والانشغال بقضايا الواقع الاجتماعي والاقتصادي المتردي.

لذلك ظلت وزارات ومؤسسات الثقافة الرسمية وشبه الرسمية، ومؤتمرات وزراء الثقافة العرب على كثرتها بعيدة كل البعد عن أي محاولة لصياغة رؤية ثقافية جديدة، أو بلورة استراتيجيات عمل مدروسة، متكاملة وعلمية تسهم في بناء وعي اجتماعي وثقافي مستنير، وفكر نقدي، يحقق اندماج الإنسان وتفاعله الحي مع روح العصر والحياة، بحيث تنقل الإنسان من مرحلة التلقي السلبي وتغييب العقل، إلى مرحلة التفكير المبدع والخلاق الذي يسهم في تطوير شروط حياته، وتعميق دوره الفاعل في المجتمع.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر