الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

حرية الشاعر

لقد اكتشف الشعراء الجدد أن انعكاس العالم في الشعر، هو خير دليل على مدى ارتباطه بعالمه وزمنه.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2013/09/29، العدد: 9335، ص(11)]

على مدار تاريخ كامل أشاعت ثقافة تلقي الشعر في مجتمعات الثقافة العربية اعتقادا بأهمية أن تكون للشعر وظيفة. هذا الفهم الذي يجد سنده في الممارسات الشعرية نفسها، اصطدم في الربع الأخير من القرن العشرين بالمفاهيم الجديدة التي فرضتها تحولات دراماتيكية أفصحت عنها لغة الشعر مع ما سمي أولا بـ"القصيدة الحرة" وتاليا بـ"قصيدة النثر".

في المناخات الجديدة التي عرفتها حركة الشعر العربي، في عواصمه الكبرى، بغداد، دمشق، القاهرة، بيروت، خلص الشعراء الجدد ونقادهم إلى أن ما ظلَّ يحد من جموح الشعر ومن مغامرته وحريته اللغوية، وبالتالي من انفتاحه على العالم والأشياء، إنما وقوع السواد الأعظم من جمهور الشعر في أسر فكرة الوظيفة، وهي فكرة قديمة ارتبطت، أساساً، بتقاليد قراءتنا للشعر القديم.

لقد اكتشف الشعراء الجدد أن انعكاس العالم في الشعر، هو خير دليل على مدى ارتباطه بعالمه وزمنه، وأن تعبير الشاعر عن ذاته الفردية، وأناه العميقة، وانفعاله الشخصي بعالمه، في لغة مبتكرة، هو أساس التجربة الشعرية، أما "الوظيفة" التي دأب بعض النقاد على مطالبة الشعر الالتزام بها، فهي تطالب الشعر بأن لا يتغير، ليواصل تقاليده القديمة، بل تطالبه بالصعود إلى سطح الأشياء، متخليا عن الأعماق التي تضطرم في اللغة والشعور والوجدان.

بالمقابل عندما نتحدث عن انعكاس العالم في اللغة وتجلي الأشياء في الشعر، إنما نلامس خواصها ومساحاتها المنظورة وكذلك تلك المتوارية في غلالات اللغة ووراء المنظور من أسرارها وأسرار الخيال الشعري.

إن أجناسا فنية وأدبية وجمالية أخرى غير الشعر، مثل التشكيل والرواية والمسرح إنما تتموضع في مساحات من اللغة والتعبير، وفي تراكيب وعلاقات أكثر منطقية ومباشرة، مما يمكن أن نكتشف في الشعر.

ومن المثير للتأمل حقيقة أن هذه الأجناس الإبداعية باتت تتيح للشعري أن يظهر هنا وهناك في ملامح منها، وبينما يمكنها أن تغطي جانبا من الوظائف المطلوبة في المجتمع، وظائف محتملة، فإنها تتيح، في الوقت نفسه، للشعر أن يتحرر اكثر فأكثر، ويخلص لنفسه، ويتسامى في مغامرته بعيدا عن الفكرة الآسرة للوظيفة.

ولعل من فضائل المغامرة الشعرية الحديثة أنها خلصت الشعر من الأعباء القديمة في نقل رسائل المجتمع، وجعلته اقرب إلى نفسه أكثر، وها هو الشعري يتجلى في الرواية فضاءً يجنّح النثر، بينما هو في الشعر، كما برهنت تجارب الشعراء الجدد، يفجر طاقة النثر، محاولا توليد الشعر عبر وسيط نثري.

لقد حاول بعض النقاد العرب مع نهايات القرن العشرين، ومن خلال قراءاتهم وتأملاتهم في تحولات الشعر والنثر معا، دراسة هذه التطورات البنيوية والجمالية. أتخيل - وربما تكون نظرتي خاصة وهي عرضة لأن تقارن بنظرة أخرى أو تمتحن بإزاء أفكار مخالفة - أن الشعر أصبح أصفى وباتت رهافته أكثر بروزا، رغم التعقيد اللغوي الذي ميز بعض أفضل التجارب الشعرية العربية الجديدة.

شاعر القصيدة الحديثة، حرر نفسه من وطأة فكرة الوظيفة، بعدما قطع شوطا بعيدا في تحرير شعره منها، لم يعد يأبه للمقولات القديمة، ولا للممارسات النقدية التي كالت لشعره الاتهامات.

لم يعد الشاعر العربي الحديث آبها بتلك التقولات عن فراغ الشعر من المعنى، وهي انطباعات ظالمة تورط بإبدائها والترويج لها نقاد كانوا في بداياتهم من أشد المتحمسين للتحولات البنيوية العميقة التي شهدها الشعر في اللغة العربية منذ مطلع القرن العشرين، مع تجارب جبران والريحاني والمهجريين وجماعة أبولو وصولا إلى شعراء القصيدتين "الحرة" و"النثر".

ومن حسن طالع الشعر أن الشعراء العرب الجدد حسموا أمرهم مع ذائقة القراءة، واعتبروا أن الشاعر لم يعد مطالباً، أبدا، بأن ينطق باسم قبيلة أو جماعة، أو جمهور كبير أو صغير. لقد تحرر الشعر، في نظرهم، مرة وإلى الابد، من الأغراض، وتحرر الشاعر من الطلبات الاجتماعية.

لم يعد لا سارداً ولا مؤرخاً، ولا إعلاميا. ولم تعد القصيدة حمالة رسائل تنتجها لغة الشعر نيابة عن اللغة الاجتماعية. الشعر لم يعد يطالب نفسه بأن يكون ممتحنا خارج نفسه.

هذا لا يعني، بتاتا، أن الشعر تحول إلى ظاهرة بلّورية صافية ومعزولة عن العالم، بالعكس. لقد بات في وسعه أن يشفّ ويعبّر ويتوهج أكثر، ما دامت طبيعة علاقة الشاعر بلغته قد تغيرت استنادا إلى رؤى واختبارات ومواقف أسقطت جل الحواجز الاجتماعية التي ظلت قائمة بين الشاعر ولغته والشاعر وصنيعه الفني، وهو ما غيّر بالضرورة منطق العلاقة مع اللغة ومفهوم الشاعر عن الشعر.

لكن هذا لم يحدث من دون التباسات وتعقيدات أدخلتها تجربة الشاعر الحديث على تلقي الشعر. ولنتخيل، الآن، قصيدة تسمى "القصيدة الحرة" ويحار فيها القرّاء، فلا يستطيعون أن ينفوا عنها شعريتها ولا يعرفون كيف يؤكدون هذه الشعرية.

وفق أية مقاييس سيفعلون، وقد كسر الشاعر المقاييس القديمة للشعرية التي قرت عليها ثقافتهم، بل وتجرأ حتى على تلك المقاييس الجمالية الجديدة التي ولّدتها تجارب أواسط القرن العشرين، مع شعر شعراء كالسياب والملائكة وحاوي وغيرهم.

لكن هذه الحيرة هي في نظري حيرة خلاقة، حيرة ضرورية، فلم لا يكون الشعر عصيا إلى هذه الدرجة أو تلك، إن في تعريفه، أو في الاستدلال عليه؟ لم لا يكون الشعر نبع الأسرار والغوامض والخيالات الغريبة، وهو ينطق بمجاهيل النفس البشرية؟ أليس في مسلك الشعر على هذا النحو اعتراف عظيم الأهمية بفرادة البشر وغنى أعماقهم، ودعوة ، بالتالي، إلى اعتبار كل كائن من كائنات العالم قارة مجهولة وعلى الشعر أن يساعدنا على تلمس الطريق لاكتشاف تلك القارة؟

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

العالم الآن

:: اختيارات المحرر