السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

حرب اليمن والمسألة الإيرانية

في الحرب الدائرة في اليمن من أجل الشرعية، أصبحت المسألة الإيرانية مطروحة بقوة على طاولة النقاش العربي، بعد أن كانت في الماضي مقتصرة على البيانات التي تصدر عن القمم العربية.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/04/03، العدد: 9876، ص(9)]

تكشف الحرب ضد الحوثيين، التي يخوضها التحالف العربي، عن انتهاء عهد سياسة “التصامم” التي نهجها العرب تجاه إيران طيلة العقود الماضية. وتكاد هذه الحرب تعد تعبيرا عن بروز صحوة عربية لم تعد تقبل الركون إلى الصمت حيال التحولات العميقة التي تضرب المنطقة العربية، وتضع البلدان العربية في زاوية ضيقة، بينما هناك فاعلون يتقدمون مبشّرين بنماذج سياسية وثقافية، مستثمرين الاضطراب الذي حصل منذ انطلاقة ما سمي بـ“الربيع العربي”.

أدركت إيران مع بداية الربيع العربي، أن هناك فرصة لتعويض ما فاتها في سياساتها تجاه العالم العربي، والبحث عن محاور جديدة في المنطقة في اتجاه تحصين نموذجها، لكن هذه المرة ليس من خلال سياسة عارية لنشر المذهب الشيعي، فقد تجاوزت إيران تلك السياسة بعدما صار الحضور الشيعي حالة ملموسة في عدد من البلدان العربية، وإنما من خلال توظيف ذلك الحضور سياسيا، مستغلة انتشار مفردات التغيير والثورة في العالم العربي، إذ فهمت أن إنجاح سياستها يقتضي تحويل المسألة الشيعية إلى قضية عربية تحت نفس المفردات، دون أن تظهر بشكل علني.

يجتمع في السياسة الإيرانية أمران: القومية الفارسية والتشيع، بيْدَ أن هذين الأمرين لم يتصالحا إلا مع الثورة الإيرانية، إذ قبل ذلك التاريخ كان التشيع مجرد ديكور خارجي لنزعة فارسية متصلبة، ولم يتحول إلى برنامج سياسي. ذلك أن الأسرة البهلوية الحاكمة لم تكن مهتمة بإحياء الخلافات الدينية مع السنة، بل بالتوسع الفارسي على حساب العرب. قد يبدو من الظاهر أن النتائج واحدة في الحالتين، لكن هناك فرقا بينهما. ففي المرحلة السابقة كان بالإمكان القيام بفرز الصراع مع إيران الفارسية، لكن بعد الثورة أصبح من الصعب حصول ذلك، لأن تصدر المذهب الشيعي للحكم في إيران، أصبح يعني أن كل خلاف مع هذه الأخيرة يهم الشيعة العرب المتواجدين في الدول العربية.

ورغم أن التشيع نشأ عربيا وظل عربيا، إلا أن الجزء الفارسي في التراث الشيعي ظل مجهولا لقرون طويلة، إلى أن حصلت الثورة الإيرانية عام 1979، التي أخرجته من الجلسات المغلقة في قم والنجف إلى سدة الحكم والنفوذ. وقد أعطت تلك الثورة ثلاثة دروس، لكننا وقفنا عند واحد منها فقط، وهو قدرة الإسلام السياسي على الوصول إلى الحكم، وهي النظرة التي تم التركيز عليها كثيرا بسبب الدعايات الكبيرة للإسلاميين العرب. لكن الدرسين الآخرين هما الأهم:

الأول أن التشيع أصبحت له دولة، وهو أمر لم يكن متوقعا في العالم العربي ذي الغالبية السنية، لأن وصول التشيع إلى الحكم قَلَبَ الموازين في المنطقة، ولم تكن الحرب العراقية-الإيرانية سوى انعكاس للرفض العربي لانقلاب تلك الموازين.

الدرس الثاني أن الوجه الفارسي للتشيع أصبح أكثر هيمنة منذ الثورة الإيرانية، فمنذ ذلك الوقت أصبحت إيران تتصدر الملف الشيعي في العالم، وأصبح كل شيعي عربي مرتبطا في الخطابات الرسمية بالتبعية لإيران، وهي مشكلة طُرحت بالنسبة للشيعة العرب الذين فشلوا في تمييز أنفسهم عن السياسة الإيرانية، ووافقوا على منح التشيع غلافا فارسيا، واصطنعوا ازدواجية الولاء السياسي، وهذا شكل تحولا في التعدد المذهبي داخل الإسلام العربي منذ قرون.

الملمح الأساسي في الحرب الدائرة في اليمن من أجل الشرعية السياسية، أن المسألة الإيرانية أصبحت مطروحة بقوة على طاولة النقاش العربي، بعد أن كانت في الماضي مقتصرة على البيانات الكلامية التي كانت تصدر عن اجتماعات القمم العربية.

الواضح أن ما كان يسمى بالحوار العربي الإيراني أظهر محدوديته أمام المحاولات الإيرانية للتغلغل في النسيج المذهبي العربي. كان الاعتقاد سابقا أن إيران استفادت من حرب الثمانية أعوام، وكفت عن مباشرة سياستها في نشر المذهب الشيعي وتكريس الولاء السياسي للشيعة إليها، خصوصا بعد أن فتحت علاقات دبلوماسية مع دول عربية عدة، وبدا أنها تريد فتح صفحة جديدة بعنوان التفاهم العربي الإيراني، لكن سياستها القديمة ما برحت أن عادت في سياق الفوضى المترتبة عن الربيع العربي.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر