الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

'فيتوات' النهضة والدبلوماسية التونسية المرتعشة

ضغط محلي وإقليمي ودولي على تونس يحول دون تنفيذ الوعود الانتخابية لنداء تونس بتصحيح مسار الدبلوماسية وإخراج تونس من منظومة المحاور المتناقضة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/04/08، العدد: 9881، ص(9)]

فرضيتان لا ثالثة لهما في تفسير الجدل القائم بين خطاب الطيب البكوش وزير الخارجية حول إعادة السفير السوري إلى تونس، وتصريح الرئيس الباجي القائد السبسي النافي لنية تونس استقبال ممثل عن الخارجية السورية.

الفرضية الأولى كامنة في التباين في الرؤى والمقاربات بين مؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية في ما يخص قضايا دبلوماسية مهمة تبدأ من الأزمة السورية ولا تنتهي عند المحرقة الليبية.

الفرضية الثانية تتمثل في وجود ضغط محلي وإقليمي ودولي على تونس يحول دون تنفيذ الوعود الانتخابية لنداء تونس في الاستحقاقين البرلماني والرئاسي والخاصة بتصحيح مسار الدبلوماسية وإخراج تونس من منظومة المحاور المتناقضة.

وسواء رجحنا أيا من الفرضيتين فإنّ المحصلة أنّ اضطرابا على مستوى الدبلوماسية يحول دون عودة الروح لخارجية الدولة التونسية، وأنّ أيادي مرتعشة تتصدّر المشهد السياسي المحلي عاجزة عن القطع مع مسار “الأخونة” الذي اجتبته “الترويكا” في العلاقات الدوليّة خلال السنوات الأخيرة.

الغريب أنّ نداء تونس، الذي بنى طرحه السياسي وبرنامجه الانتخابي على التناقض في السياسة والأداء مع المنصف المرزوقي، نجد رئيسه اليوم قاصرا عن الخروج عن الخطوط العريضة لدبلوماسية المرزوقي، بل إنّ الباجي قائد السبسي لا يتردّد في الإخلاف بوعود انتخابية قطعها حزبه في مستوى تصحيح الرؤية الدبلوماسية إلى درجة أنّ خيط الفصل والفرق بين دبلوماسية السبسي ودبلوماسية المرزوقي صار شبه معدوم.

تذهب بعض التفسيرات إلى انّ فسيفسائية الروافد السياسية لدى نداء تونس كرست تجاذبات حادة على مستوى الحزب، وجسدت تباينات تصل حدّ التناقض، في المؤسستين التنفيذيتين بين القصبة وقرطاج، وهو ما يفسّر البون القائم بين خطاب الطيب البكوش، اليساري صاحب النزعة القومية، والباجي القائد السبسي، سليل المدرسة الدستورية، ولكن تبقى هذه المقولة التفسيرية قاصرة عن تحليل هذا التعارض في الأداء بين السبسي والبكوش باعتبار أنّ تصحيح المسار الدبلوماسي مثّل خيطا ناظما لكافة الحساسيات السياسية التونسية عدا النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية.

هذا من شأنه أن يرجّح وجود “فيتو” نهضاوي صلب الحكومة يمنع انعتاق الدبلوماسية التونسية من إكراهات الأخونة والقطْرنة، ويفرض على الحكومة والرئاسة مسلكية محددة في الخارجية تحول دون “ثورة تصحيحية” طالما انتظرها التونسيون.

“فيتو” النهضة في الحكومة والرئاسة تمظهر جليا في النقد الذي وجهه الطيب البكوش لتركيا بتسهيل إدخال جحافل التكفيريين التونسيين إلى سوريا والعراق للانخراط في القتال ضمن الجماعات الإرهابية، قبل أن تسحب ذات الحكومة انتقادها لأنقرة تحت عنوان “إخراج الخطاب من سياقه”. “فيتو” النهضة في القصبة وقرطاج تشكل في إقامة قنصليتين واحدة في طبرق وأخرى في طرابلس، وتوزيع الاعتراف الدبلوماسي التونسي على حكومة الإخوان وعلى الحكومة الشرعية.

ندرك أنّ السبسي يقف في حقل شديد الألغام، فالقوميون واليساريون والنقابيون وبعض من الدستوريين يطالبونه بتصفية تركة المرزوقي الدبلوماسية خاصة وأنّه بنى منظومته الانتخابية على تعديل الأداء الدبلوماسي، فيما ترفض النهضة، حليفته في الحكومة والحكم والمصالحة الوطنية ومحاربة الإرهاب، أيّ مساس بـ”غنائم حرب” الإخوان في سوريا وليبيا وتركيا، وبينهما تقف عواصم إقليمية كبرى وصناديق دولية تنتظر الخطوة القادمة للدبلوماسية التونسية لفتح “قنوات” التمويل أو غلقها.

كما ندرك أنّ المرارة التي تذوقها السبسي مع الغنوشي جاءت وفق خارطة طريق محلية وإقليمية ودولية لن تترك تونس تتمكن من سيادتها ومن سياستها الوطنية، ولكن ندرك أيضا أنّ سكوت السبسي عن أخطاء المرزوقي سيحمّله ثلاثة أوزار على الأقل، إخلاف الوعد في تصحيح الأخطاء، البقاء على خطايا المرزوقي، مزيد تحمّل كوارث وتداعيات سياسات المرزوقي.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر