الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

لاءات أردوغان ومعاقبة ثورة 30 يونيو

خطاب أردوغان ضد مصر الجديدة خطاب استئصالي يروم سحب الشرعية عن الفعل في 30 يونيو 2013 وعن إفرازاته الانتخابية والمؤسساتية.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/04/11، العدد: 9884، ص(9)]

تنتصب المقاربة النفسية كزاوية نظر مفسرة لأداء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي تمثّل “دور السلطان العثماني” وانصهر وذاب في تجلياته، إلى درجة أنّه بات يتصرّف بمقتضى “زعيم” الباب العالي ويسلك مسلكية من تملّك مقاليد “الزعامة” و”الإمامة” في ديار الإسلام.

فتح موسم قبض الإخوان على السلطة في كل من تونس ومصر وليبيا، إضافة إلى المدّ الإخواني الذي طبع مسار أحداث الأزمة السورية، شهيّة أردوغان كي ينفخ الروح في جسم الخلافة العثمانية المقبور، وكي ينصب نفسه سلطانا على الإسلاميين والمسلمين، وزعيما على الإخوة والإخوان.

عاش أردوغان نحو عام ونيف، “جملوكيا”، من الجمهورية والملكية، على أقطار عربية عاشت ولا تزال عقدة فقدان الأب الروحي والسياسي القائد، وتعاني ولا تزال من أزمة هيكلية وبنيوية عميقة في مشروع الدولة القطريّة، إلى درجة أنّه لم يستوعب بعد ثورة 30 يونيو التصحيحية في مصر، ولم يستكنه بعد المسار النقدي الذي دخلته تونس بعد اغتيال المناضلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، ولم يدرك حقيقة انتفاضة صناديق الانتخاب التي قادتها الغالبية الساحقة من الشعب الليبي، وأنّى لمن عيّن نفسه قائدا على خلافة إخوانية من تراب وسراب أن يستفيق على ثورة تصحيح وتنقيح قطعت الطريق أمام “أخونة” الدولة و”عثمنة السلطة” وتحويل طريق “تونس – طرابلس – القاهرة” إلى حديقة خلفية لتركيا أردوغان.

لا يزال أردوغان يكابر على الحقيقة، ويختلق أوهاما حول الشرعية السياسية في مصر، ويفتري أراجيف سياسية حول مظلومية الإخوان في ليبيا ومصر، لا فقط نصرة لفريق سياسي على آخر كما يعتبر الإخوان ذاتهم، وإنما استكمالا لحلم أردوغاني عثماني بزعامة العالم الإسلامي تحت جبّة الإخوان، هنا الفرق بين المبدئية في الدفاع عن تيار سياسي، والمكافيالية في المنافحة عن فريق من أجل مآرب ذاتية ضيقة.

بالأمس فقط، وضع أردوغان شروطه لإعادة الزخم السياسي للعلاقات التركية المصرية، رافعا أمام السلطة المصرية لاءات عثمانية تحول دون استئناف العلاقات مع القاهرة قبل الإفراج عن الرئيس السابق محمد مرسي، وإلغاء حكم الإعدام الصادر ضدّ مرشد الإخوان محمد بديع خاصة، وضدّ مجموعة من القيادات الإخوانية المصرية عامّة.

الخطير في “لاءات” أردوغان لا يتمثّل، في تدخله في السيادة المصرية ممثلة في قرارات المؤسسة القضائية، ولا يتشكل أيضا في “استعلائه” ضدّ دولة عربية مؤسسة لكافة المنتظمات الإقليمية، وإنّما في سعيه لمعاقبة ثورة 30 يونيو التصحيحية، وتصويرها على أنّها انقلاب جيش على السلطة السياسية، في حين أنّها تقاطع جيش وشعب وقضاء ومجتمع مدني ضدّ سلطة الإخوان.

خطاب أردوغان ضدّ مصر خطابا استئصاليا، لا نقديا كما يسعى جمهور الإخوان إلى تصويره للرأي العامّ العربي، يروم سحب الشرعية عن الفعل في 30 يونيو 2013 وعن إفرازاته الانتخابية والمؤسساتية، وإرجاع القاهرة إلى وظيفتها السياسية الإخوانية باعتبارها حديقة خلفية وخزانا إستراتيجيا للقيادة القابعة في إسطنبول.

يصطدم كلّ صاحب مقولة تفسيرية على أنّ الاستحقاق الحرياتي والحقوقي والدستوري هو المحفزّ الأساس لخطاب أردوغان الانتقامي ضدّ القاهرة، بسياسات استبدادية منظمة تمارسها حكومة العدالة والتنمية ضدّ الصحفيين والسياسيين المعارضين والقضاة والمحامين والنقابيين ورجال الأعمال، دون نسيان العسكريين والأمنيين الرافضين للقبضة الحديدية لأردوغان التي استحالت صنوا لقبضة الجيش على الحياة السياسية والمدنية خلال النصف الثاني من القرن العشرين في تركيا والتي، أي سياسة الحديد والنار الأردوغانية، جففت منابع الحياة المدنية وضربت في عمق المجال العمومي الديمقراطي والتعددي التركي، إلى درجة أصبحت فيه الانتخابات مجرّد استفتاء شكليّ لتجديد نيل الثقة في أردوغان وزمرته القريبة منه.

يضع الرئيس التركي كل بيضه السياسي في سلّة الإخوان، عساهم أن يؤمّنوا في عواصمهم خشبة ارتكاز لوصول أردوغان للباب العالي، ولكنهم ينسون أن الباب العالي سقط في تركيا منذ العشرينات قبل أن تسقط ملاحقه في تونس وليبيا ومصر، ومن يدري فلعل عاصفة حزم شعبية من الأحزمة الغاضبة سياسيا واقتصاديا وعسكريا وقضائيا ضدّ أردوغان تفسد على “السلطان” الحالم الواهم حلمه وأحلام الآخرين معه.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر