الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

سرادق عزاء لثورة تآمر عليها اليمين

الثورة سينتزعها جيل لاحق، يتاح له حظ أوفر من الرقي الإنساني والروحي والجمالي، فلا يعنيه دين الواقف بجواره في ميدان التحرير، كما جرى في يناير 2011 مع آبائه الحالمين بثورة مستحيلة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/04/14، العدد: 9887، ص(8)]

في أكثر من مقال ذكرت ما يشبه “حقيقة” تاريخية أن القضاة ورجال الدين يعادون الثورات، ويحصنون الوضع القائم بأحكام قضائية تستمد شرعيتها أحيانا من الدين. ولكن الثورة حين تصبح “حقيقة” فإن أول من “يريدون ليطفئوا نور الله” بالسرقة والتآمر هو اليمين بجناحيه: الديني والعسكري، وإذا تحالف الطرفان فلا تطلب للثورة ومن قام بها إلا الرحمة.

بغير علم، لم يتردد “رجال الدين” في الاعتراض على “اجتهاد علمي” قدمه تشارلز داروين، قبل أكثر من قرن ونصف القرن، حول “نظرية النشوء والتطور والارتقاء”، رفضوا اجتهاد الرجل خشية أن يبدّد نور العلم خرافات الكهنة.

وبعلم وقصد، يسعى كارهو الثورات إلى اعتراض حركة التطور الإنساني والروحي والجمالي لكي يضمنوا استقطاب هذا الكائن البشري، لو وسوس له الشيطان باقتراف ثورة.

ربما لا فائدة من إنكار أن ثورة 25 يناير 2011 لم تنجح، إلى الآن على الأقل. لا فائدة أيضا من إنكار أن الشعب لم يتطور إنسانيا وروحيا وجماليا بقدر كاف، للحفاظ على إنجاز 18 يوما وما تلاها من أيام انتهت بالإعلان عن قرب اقتسام كعكة الثورة، في ما عرف باستفتاء 19 مارس 2011 على تعديلات في دستور منتهي الصلاحية. وقد أعاق الاستفتاء تطورا روحيا نما في الميدان بأسرع مما احتمله الناس واستعدوا له. في ذلك الاستفتاء أقيم، على عجل، سرادق رمزي للثورة، في اختبار ردود الفعل الثوري والشعبي، واستسلم الشعب لتواطؤ اليمين بوجهيه: الديني والعسكري على الثورة. أما ما جرى بعد ذلك، وإلى اليوم، فمجرد تفاصيل وشروح وهوامش على المتن اليميني المزدوج.

هل كان السلفيون، حين هتفوا عقب خلع حسني مبارك “الله وحده أسقط النظام”، على حق؟ وهل كان اليمين المزدوج، الديني والعسكري، أكثر منا وعيا بعدم قدرة 18 يوما على تغيير الجينات المصرية، وإحداث طفرة إنسانية وروحية وجمالية؟ يبدو ذلك كذلك، ففي وقت لاحق، تأكد لنا أن ما جرى في ميدان التحرير مجرد لحظة إنسانية وروحية وجمالية نادرة، كانت تحتاج إلى كثير من المجاهدة، للبناء عليها، وعدم المساس بها، حتى اكتمال التطور.

ليس في هذا انتقاص من جلال أيام البراءة والطهارة الثورية، ولم نكن بأفضل من الصحابة الذين عاشوا في ظلال الوحي 23 عاما، ثم أشفق عليهم عمر بن الخطاب أن يخرجوا من المدينة، خشية أن تفتنهم دنيا أكثر رخاء خارج ما ألفوه من بداوة الجزيرة. يروي أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري في “الأخبار الطوال” أن عتبة بن غزوان حين دخل البصرة كتب إلى عمر أن الله “أغنمنا ذهبهم وفضتهم وذراريهم، وأنا كاتب إليك ببيان ذلك إن شاء الله”. وأرسل إلى عمر رسالة مع نافع بن الحارث، الذي قدم إلى المدينة وبشّر عمر، ثم قال له “يا أمير المؤمنين، إني قد افتليت فلاء بالبصرة، واتخذت بها تجارة، فاكتب إلى عتبة بن غزوان أن يحسن جواري”. ثم استولى عتبة بن غزوان على “المَذار”، وتقع بين واسط والبصرة، وكتب إلى عمر. يقول الدينوري “فتباشر الناس بذلك، وأكبوا على الرسول، يسألونه عن أمر البصرة، فقال إن المسلمين يهيلون بها الذهب والفضة هيلا، فرغب الناس في الخروج”.

خيّلت إلينا البراءة في تلك الأيام، أن الأرواح تطهرت من عدوى قبح سنوات مبارك، حتى أنني أهديت كتابي “الثورة الآن”: “إلى شهداء ثورة 25 يناير. وإلى عبد الوهـاب المسيري، جمـال حمدان، محمود أمين العـالم، عبد العظيم أنيس، محمد عفيفي مطر، أحمد مستجير، أحمد نبيل الهلالي، محيي الدين اللباد، محمد السيد سعيد، فاروق عبدالقادر، محمد عودة، وغيرهم ممن انتظروا طويلا هذه الولادة الجديدة لمصر. إلى الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي بدأ مقاتلا وانتهى قاتلا. لولا عنادك، وانتهاجك سيـاسة الملل، لفقدت الثورة كثيرا من روعتها”.

ظننت 18 يوما مللا، ولكنها كانت شهابا خاطفا، يدل ولا ينير إلا بقدر ما أرشد اليمين الديني إلى اغتنام الفرصة، وإعلان الاستقواء، فهدمت كنائس في عموم البلاد، وصدرت فتاوى تحريم تهنئة المسيحيين بأعيادهم، في نسف سريع لشعارات إنسانية زينت ميدان التحرير طوال 18 يوما وما بعدها، حتى الإعلان عن فتنة الاستفتاء وكعكته.

ما الذي جرى يوم الخميس 10 يناير 2011؟ هذا أمر غامض، حتى وصفت عملية خلع مبارك، في اليوم التالي، بأنها نصف ثورة، نصف انقلاب. هل أراد المجلس الأعلى للقوات المسلحة ألا تطول أيام التطهر فتؤدي إلى تطور جيني، إنساني وروحي وجمالي، يؤهل الناس للحكم الرشيد على من يريد التصدي للمسؤولية، أو يسعى إلى شراء السلطة بالثورة؟ ربما أراد المجلس، ولكن المؤكد أنه نجح، فتوالت سيطرة اليمين بشقيه، منفردا ثم بالاشتراك ثم منفردا، ثم ارتدت مصر إلى “سيرتها الأولى”، في بيع للحرية بالخبز، وتكاد تفقد كليهما، إذ أثبت التجربة أن 18 يوما لا تكفي للنضج الإنساني والروحي والجمالي، فحق علينا قول جورج أورويل “الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والمحتالين والناهبين والخونة لا يعتبر ضحية، بل شريكا في الجريمة”.

بالمنطق لم تنجح الثورة السابقة “25 يناير 2011”، إلا في رفع الوعي السياسي لدى الشعب، وهذا ليس بالقليل. الثورة الحقيقية سينتزعها جيل لاحق، يتاح له حظ أوفر من الرقي الإنساني والروحي والجمالي، فلا يعنيه دين الواقف بجواره في ميدان التحرير، كما جرى في يناير 2011 مع آبائه الحالمين بثورة مستحيلة. هذا الجيل الذي تنتظره الثورة ويستحقها، لن يتقرب إلى الله بإقصاء مختلف في رأي أو دين أو مذهب، ولا بهدم كنيسة أو مسجد، أو تدمير تمثال، أو نسف ضريح، أو إعلان الحرب على فيلم أو رواية، أو يتغابى بحمل لافتة “سنقطع رأس من يقول إن ديننا يحرض على العنف”. سيكون مؤمنا حقا بدين الإنسانية، ويطبق قوله تعالى “ولقد كرمنا بني آدم”، و”لا نفرق بين أحد من رسله”.

تفشل الثورة فيسحقنا طرفا اليمين، وتنجح بعيدا عن ثنائية الكفر والإيمان، حين يكون التعبد بعمل “ينفع الناس”، لا بالتباهي بدين ورثتَه، ولم تتعب حتى في التمسك بمثله العليا.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر