الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

جمال بنعمر.. ضعف الطالب والمطلوب

تقديم جمال بنعمر لاستقالته من الوساطة الدولية في اليمن، يتنزّل في سياق إعلانه الصريح عن “فشله” كوسيط بين اليمنيين، وعن فشل “وساطته” في اليمن السعيد أيضا.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/04/17، العدد: 9890، ص(6)]

قد تكون أبرز المشاكل العربية في الزمن الراهن هي سرعة تحوّل الأزمات السياسية إلى “محنات” و”معضلات” استراتيجية يتقاطع فيها البعد المحلي مع الأبعاد الإقليمية والدولية، إلى درجة تستحيل القضية إلى شأن عالمي يستدعي التوافق والتراضي بين اللاعبين الكبار في دول الجوار وبين “أصحاب الفيتو” في مجلس الأمن.

تحويل “الأزمة” المفتوحة على حلول عديدة إلى “معضلة” مغلقة المصادر ومنحسرة التسويات، يناط في الكثير من الأحيان بعهدة “سياسيين” و”ديبلوماسيين” محدودي الأفق ومعدومي العمق الاستراتيجي ومنعدمي “القراءة الانثروبولوجية” للمجتمعات العربية، يقدمهم المجتمع الدولي على أنهم وسطاء لإنهاء الأزمة وعلى أنّهم نقطة تقاطع لكافة الفرقاء السياسيين بيد أنهم سرعان ما يتضح انّهم جزء من الإشكال وعنصر من المعضلة المستعصية.

تقديم جمال بنعمر لاستقالته من الوساطة الدولية في اليمن، يتنزّل في سياق إعلانه الصريح عن “فشله” كوسيط بين اليمنيين، وعن فشل “وساطته” في اليمن السعيد أيضا، ففي البعد الأوّل لم يتمكن الوسيط الدولي من الغوص في العمق اليمني ولم يدرك كينونة المخاطر المحدقة بالثورة الوليدة، وفي البعد الثاني عجز بنعمر عن تقديم مبادرة حقيقية قادرة على إخراج اليمن من بوتقة الصراعات الإقليمية والدولي العاصفة بصنعاء، وبالتالي جمع اليمنيين على قراءة واحدة لحاضرهم ومستقبلهم المشترك أيضا.

بقي جمال بنعمر طيلة سنوات وساطته “بمعزل” عن المبادرة الخليجية لإنهاء الأزمة اليمنية ولم يعمل حتّى على تطوير وتحيين المبادرة في ظل التهديدات المحلية التي كانت واضحة لكلّ متابع وقارئ للمشهد اليمني.

في دولة مثل اليمن حيث تمثّل رباعية “الإرهاب والتمرد والانفصال والقرصنة”، الأضلع الأربعة لمربع “برمودا” القاتل، كان من الأجدى والأجدر على الوسيط المستقيل أن يبادر بتشكيل خلية نحل تعمل لا فقط على الحيلولة دون تغلغل هذا الرباعي القاتل في الجسد اليمني، وإنما وهذا هو الأهم أن يسارع لإحياء الأمل لدى اليمنيين عبر تفعيل المبادرات الإنسانية والإغاثية في بلد يعاني من الفقر والخصاصة.

“فكر الفقر وفقر الفكر”، بمعناه السياسي لدى جمال بنعمر، حال دون استباقه لثلاثة مخاطر استراتيجية على اليمن، وهي “الجماعات الإرهابية” المعششة في الجغرافيا والجماعات الميليشياوية المتغلغلة في الجغرافيا والتاريخ، والدعوات الانفصالية المتجذرة في الجغرافيا والتاريخ والحاضر.

اليوم يختار جمال بنعمر الخروج من المشهد اليمني القاتم والقاتل بعد أن عمل طيلة عهدته –من حيث يدري أو لا يدري– على مزيد تأزيم الوضع السياسي، وفوّت على اليمنيين أكثر من فرصة تاريخية للانتقال الديمقراطي ولبناء دولة المواطنة والمواطنين، دون أن يحاسب لا من طرف اليمنيين أنفسهم ولا من المنتظم الأممي على أدائه التفاوضي والسياسي خلال “الولاية العمرية”.

مرة أخرى يفضل وسيط دولي –عربي- أن يترك المشهد على عواهنه ودمائه ودماره ويخلي مسؤوليته التاريخية والسياسية بعد أن تسبّب في جزء من “فوضى البلاد والعباد”.

من قبله اختار الأخضر الإبراهيمي، الوسيط الدولي السابق في العراق وسوريا الهروب من المستنقع الشامي والعراقي بعد أن فقد زمام المبادرة وفقد ثقة جميع الأطراف، ومن قبلهما أيضا اجتبى طارق المتري الوسيط الدولي في ليبيا ترك الجحيم الليبي بحممه وناره بعد أن سعى إلى “مأسسة المناطقية” في البلاد.

وفي كل مرة أيضا، يعمل الوسطاء الدوليون –الغرب هذه المرة– على تطهير التركة الثقيلة للوسطاء العرب، فمن دي ميستورا في سوريا إلى برنادينو ليون في ليبيا، وكأنّ الصورة التي يراد أن ترسخ في الذهنية السياسية العربية أنّ الوسيط الغربي تمكّن من فكّ رموز ثقافية وسياسية عجز عن حلّها الوسيط العربي، وهي صورة تتقاطع بشكل تامّ مع جوهر القراءات الانثروبولوجية الفرنسية للمجتمعات المغاربية قبل احتلالها، والتي استحالت إلى حصان طروادة لـ”تأبيد الاستعمار الثقافي والأخلاقي قبل العسكري”.

من حقّ اليمنيين ومن حقنا جميعا أن نسائل ونحاسب جمال بنعمر عن حصيلة تجربته في اليمن، ولكن من واجب اليمنيين أن يسائلوا أنفسهم قبل غيرهم عن الأسباب التي حوّلت البلاد إلى ملعب لكلّ اللاعبين وعن الأسباب التي صيّرت الأزمة السياسية إلى معضلة وجودية إقليمية ودولية يستحيل حلّها دون “حسم عسكري” في ظلّ “فقر الفكر” لدى الوسيط.

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر