الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

أسئلة حرب العراقيين على داعش مجددا

لماذا تستثمر يوميات الحرب على داعش لتعزيز السياسات الطائفية، واستهداف المواطنين الأبرياء، والتخلي عن ملايين النازحين وهم من لون طائفي واحد.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/04/20، العدد: 9893، ص(9)]

أصبح شائعا القول بأن تنظيم داعش الذي غزا ثلث مساحة العراق لم يكن ممتلكاً تلك القوة الأسطورية، عندما انهزم أمامه في الموصل سبعون ألف مقاتل من القوات المسلحة التي كلف بناؤها خمسين مليار دولار بإشراف أميركي. بل كان الخلل في الجبهة المقابلة لهم. ورغم عدم ظهور نتائج تحقيق اللجنة البرلمانية حول أسباب الهزيمة، لكن وقائع ما بعد نكسة حزيران، أوضحت الكثير من الحقائق والمعطيات اللوجستية والمعنوية في سياقات أية حرب. وواحدة منها أن الكثير من المسؤولين العراقيين أكدوا في شهاداتهم أن أبناء الموصل واجهوا سياسة استبدادية من قبل القيادات الأمنية والعسكرية المشرفة على الوضع الأمني في المدينة، وكانت نتائج ذلك إن الجمهور الموصلي أصبح مرحباً بأية قوة تنتقم له وترّد عنه ذلك الظلم والاستبداد. إضافة إلى تمرير مخادعة داعش بأنها حامية للعرب السنة، مما ولّد مهادنة مؤقتة استفادت منها أطراف الصراع سواء داعش لمواصلة مشروعه التوسعي، أو قوى التطرف السياسي الشيعي التي عززت اتهاماتها الباطلة ضد العرب السنة بأنهم حاضنة الإرهاب، وبذلك ازدادت معاناة هذا المكون الذي يشكل مع العرب الشيعة هوية العراق التاريخية.

هذا العنصر المهم والذي قد يتكرر في المستقبل، ساعد على تعزيز الإرباك في العملية السياسية، وغياب الرؤية الواضحة في كيفية مواجهة داعش والذي بدلاً من أن يشكل فرصة سياسية تاريخية لغلق جراح التمزق والتشظي الطائفي، وبناء معمار سياسي جديد للبلد ومشروع عراقي للمواجهة العسكرية ضده، أصبح الظرف الجديد ميداناً للتوترات ومادة جديدة تغذي الحقد والكراهية، وصعوداً لدور الميليشيات. كما استثمرت الصدمة العسكرية والسياسية لإطلاق العنان للنفوذين الأميركي والإيراني لتحقيق مكاسب على حساب شعب العراق.

مع ذلك التقط العراقيون المحبطون فرصة تغيير رئيس الوزراء لتوقع إعادة ترتيب المنهج السياسي لإدارة البلد انطلاقاً من برنامج المواجهة لداعش وطرده من البلد، والدخول في بناء قواعد جديدة في علاقة السلطة بالشعب على أساس المواطنة والعدالة، وفتح أبواب مصالحة بين العرب السنة والشيعة في العراق، لا تعتمد على ما حصل من ترقيع سريع أشار به الأميركان على رئيس الوزراء العبادي في تشكيلة البرلمان والحكومة. حيث تمت صفقات التغيير الشكلي بعد مناورات لتأمين أسماء تقليدية معروفة من العرب السنة، وكذلك محاولات تجميد الخلافات الداخلية في البيت السياسي الشيعي على ضوء إزاحة المالكي عن السلطة. وما عدا الإشارات الإيجابية للعبادي في احتمالات الإصلاح السياسي، وبعض إجراءات تغيير طاقم رئاسة الوزراء، لم يحدث التغيير الجدي المنتظر بالسرعة المتوقعة.

كان متوقعاً إحداث أهم عناصر التغيير في مواجهة داعش بتحويل شعرات المواجهة وأهدافها ووسائلها التعبوية، لكي تصبح معركة وطنية شاملة تختفي عندها الجدران الحديدية التي تم تشييدها بين العرب السنة والعرب الشيعة من الانتقام والكراهية والثارات، التي زرعت بين الطائفتين المتعايشتين تاريخياً لأغراض خارجية معروفة. وأن تنتقل وسائل التعبئة والتحشيد المطلوبين من طائفة معينة يعتقد أن داعش يستهدفها وحدها، ويستهدف مقامات ومزارات سادتها، إلى كل الطوائف وفي المقدمة العرب السنة الذين يدافعون عن أرضهم ووطنهم وتراثهم، ويحترمون تلك المقامات ويدافعون عنها مع أخوتهم الشيعة.

كان متوقعاً كذلك حصول عملية تغيير جذرية في بنية قيادات المؤسسة العسكرية الفاشلة والمهزومة، والتي نخرها الفساد، بقيادات جديدة لا تقتصر على وزير سني للدفاع يسعى إلى مداراة وضعه، أو تغييرات جزئية ضمن سياقات الوظيفة العسكرية.

كان المتوقع أن تتم عملية استنفار وطني لجميع الكفاءات العسكرية المخلصة داخل البلد وخارجه، لمواجهة الخطر الذي استوطن العراق لبناء مؤسسة عسكرية تعيد أمجاد هذا الجيش العظيم، وبذلك تختفي الأهداف السيئة التي استثمرت قانون “المساءلة والعدالة”. كان متوقعاً دعوة جميع الكفاءات العراقية، وهي كفاءات نادرة ومنتشرة في بقاع العالم، لتدخل بلا خوف غرف عمليات الحرب الوطنية ضد داعش.

ألم نقرأ في التاريخ كيف يطلق سراح السجناء خلال الأزمات والحروب ليكونوا أدوات دفاع عن الوطن. ولكن هذه الفئة التي تشكل خلاصة العقل العراقي لسنين طويلة وجهت وتوجه إليها الشتائم والإهانات وأساليب الإذلال بطرق مختلفة من بينها قطع الرواتب، أو منع حق التقاعد الوظيفي الذي دفعوه مسبقاً من رواتبهم.

لماذا لم يتم تحويل المعركة ضد داعش إلى معركة وطنية، وليست معركة ذات أهداف طائفية مضرّة حتى لمن يجدون في أنفسهم قدرة حكم البلد من الإسلام الشيعي. لماذا تستثمر يوميات الحرب على داعش لتعزيز السياسات الطائفية، واستهداف المواطنين الأبرياء، والتخلي عن ملايين النازحين وهم من لون طائفي واحد.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر