الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

فضائيات السلم تلاحق فضائيات الحرب

الغرائبية الإعلامية لهذا النوع من الفضائيات يريد من يقف وراءها إنتاج إعلام يسمي نفسه إعلام السلم، بينما هو يخبئ أمرا آخر لا علاقة له بالسلم بل بالمناكفة وبالتصدي المباشر أو غير المباشر لفضائيات الحرب.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/04/21، العدد: 9894، ص(18)]

هي تحولات برسم الساسة، فهم الصوت وما الإعلام إلا الصدى، السياسي ينتج بضاعته وعلى الإعلامي الترويج لها وتسويقها، ربما بدا ذلك ابتسارا واقعيا لأزمات الإعلام العربي المستفحلة التي ظل فيها السياسي مهيمنا على الإعلامي بشكل مطلق أو شبه مطلق وظلت وسائل الإعلام العربية في الأعم الأغلب ليست إلا أبواقا دعائية لهذا النظام العربي أو ذاك، لاسيما في أشد الحقب دكتاتورية حيث لا صوت يعلو على صوت الدكتاتور، وكلنا نتذكر القناة التلفزيونية الواحدة والوحيدة والصحيفة الوحيدة والإذاعة الوحيدة والتي جل مادتها الإعلامية وتغطياتها تتركز على يوميات الدكتاتور .

في موازاة ذلك صرنا نشهد قراءات متعددة لوظيفة الإعلام، وتاليا لوظيفة الفضائيات عندما بدأ ظهور الفضائيات في العالم العربي في مطلع التسعينات من القرن الماضي، وبدأ تزاحمها المضطرد، وهنا بدأت تتلاشى بالتدريج وظيفة الإعلام العربي ذي الصوت الواحد إلى الإعلام العربي ذي الأصوات المتعددة، حتى صرنا أمام واقع في الإعلام الفضائي فريد من نوعه بسبب كثرة الفضائيات وكثرة وتداخل واختلاط مقارباتها للأزمات التي ظلت تضرب العالم العربي منذ مطلع التسعينات أيضا إبان حرب الخليج الثانية.

إذا فإن الإعلام التلفزيوني العربي ليس بعيدا ولا غريبا عن إعلام الحرب، بل إنه ظل إلى حد قريب وهو في عمق الحدث، أما ما تلا احتلال العراق عام 2003، فإن واقعا جديدا بدأ يتشكل ويترسخ ألا وهو ما يعرف بالإعلام الحربي والتعبوي: المراسلون المعززون بالخوذ الحديدية وواقيات الرصاص على صدورهم، ذلك اللون الأزرق الموشوم بكلمة صحافة باللون الأبيض، هذا الكائن الحربي صرنا نشاهده ومن خلفه تتقدم المجنزرات ويحتشد المسلحون والمدافع مشهرة أعناقها إلى الأعلى تلقي حممها والطائرات القاصفة تنطلق من قواعدها.

هذا هو العالم العربي، ساحة حرب إعلامية من الطراز الأول، والساحات مشتعلة من أقصى المغرب (ليبيا) إلى أقصى المشرق (اليمن)، وما بينهما ساحات الوغى والقتل وأنهار الدماء في سوريا والعراق.

هذا الإعلام العربي المطالب بنقل الوقائع إلى الجماهير المتعطشة للأخبار تارة يخبئ رأسه من القصف وتارة يكون في قلب المعركة، ومعنى ذلك أنه تارة يتفاعل وينقل الحدث وتارة أخرى يتغاضى عما يجري، وصرنا أمام نموذج إشكالي غريب حقا ممثلا في تلك الفضائيات التي توحي لك أن الدنيا ربيع والجو بديع وكل شيء تمام، فلا حرب ولا صراع قوى إقليمية ولا عاصفة حربية، متلبسة لبوس الحياد بل اللامبالاة عما يجري، العالم مشغول من أقصاه إلى أقصاه بما يجري وهناك إعلام عربي أحكم إغلاق الأبواب والشبابيك عما يجري وكأنه يقع في كوكب آخر.

هذه الغرائبية الإعلامية لهذا النوع من الفضائيات يريد من يقف وراءها إنتاج إعلام يسمي نفسه إعلام السلم، بينما هو يخبئ أمرا آخر لا علاقة له بالسلم بل بالمناكفة وبالتصدي المباشر أو غير المباشر لفضائيات الحرب وتتبعها وإذكاء فصل آخر من الصراعات ألا وهي الصراعات الإعلامية بين إعلام حي ومتفاعل ونابض بالحيوية وإعلام عنوانه اللامبالاة وصولا إلى الأنانية المطلقة، ولكن مختبئا تحت يافطة إعلام السلم وهو أبعد ما يكون عنها.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر