السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

الجمهور يريد صورا ولا يريد لوحات

اختفت البرامج الثقافية من على الشاشات اللبنانية بشكل عام، واستبدلت بالبرامج الترفيهية أو ما يسمى بالبرامج الاجتماعية اللاهثة وراء الفضائح والإثارة الرخيصة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/04/23، العدد: 9896، ص(16)]

تعاني المعارض الفنية التشكيلية في لبنان من غياب الزوار وقلة الاهتمام قياسا إلى ما كان الحال عليه قبل اندلاع الحرب الأهلية وخلالها، إذ يقتصر الاهتمام بالمعارض التشكيلية على جمهور محدود، حيث تعكس حفلات الافتتاح التي تكون غالبا عامرة بالزوار، حالة اهتمام كاذبة سرعان ما تنحسر لصالح حالة عامة من اللامبالاة وقلة الاكتراث.

سيطرة السرعة وسطوة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وإمكانية الاطلاع على الأعمال المعروضة في أي معرض على الشبكة العنكبوتية، جعلت من زيارة المعارض ترفا مناقضا لقيم الحياة المعاصرة، ونوعا من النشاط التأملي الذي لا يمكن التعاطي معه بمنطق العابر.

هكذا بات الفن التشكيلي وعلى الرغم من أنه فن بصري في الأساس، يبدو وكأنه صورة غير أصلية إزاء سيلان الصور الذي لا يتوقف في أي لحظة. اللوحة التشكيلية باتت صورة واحدة ووحيدة، ولا تستطيع منافسة منطق الإعلان الذي يسيطر على كل شيء سواء في الأفلام السينمائية أو البرامج السياسية والترفيهية.

تخطيط: ساي سرحان

لا تسعى اللوحة إلى بيع شيء ولا تسوّق لشيء خارج المعنى الذي تحاول التعبير عنه. هذا المعنى لا يقدم نفسه بمجانية وسهولة، بل يحتاج إلى فهم عميق لطاقة الإيحاء، ومعرفة ما بطبيعة الفن التشكيلي وخصوصيته، وهذا معيار لا ينسجم إطلاقا مع منطق السوق الذي يحكم كل شيء.

اختفت البرامج الثقافية من على الشاشات اللبنانية بشكل عام، واستبدلت بالبرامج الترفيهية أو ما يسمى بالبرامج الاجتماعية اللاهثة وراء الفضائح والإثارة الرخيصة. باتت الشاشات كلها وكأنها تعرض برنامجا واحدا ووحيدا ينسجم مع منطق يرى الثقافة بشكل عام، والفن التشكيلي بشكل خاص، أمورا باتت خارج الزمان.

ربما يكون السبب في شيوع هذا المنطق هو علاقة اللبنانيين بهويتهم التي ما زالت تعاني من أزمات عميقة، فساعة يكون اللبناني فينيقيا، وتارة عروبيا، وأخرى غربيا. أزمة الهوية تجلت بشكل عام في غياب أي أرض ثابتة يمكن الوقوف عليها من أجل التأسيس لما يمكن أن نطلق عليه اسم “الخطاب التشكيلي”.

نعثر على تجارب مميزة، ولكن ليس هناك ما يمكن أن نطلق عليه حاليا بدقة اسم الفن التشكيلي اللبناني، أي الفن الذي يستقي مصادره ومراجعه من البيئة اللبنانية والطبيعة اللبنانية والعاطفة اللبنانية مع الحفاظ على كل شبكة تأثراته.

طغيان الالتباس العام في مسألة الهوية خلق لوحة ملتبسة وفنا تشكيليا باتت الأصالة فيه نادرة، ولكن ذلك لا يعني أن هناك الكثير من التجارب والأعمال التي تخالف هذا المعطى، ولكنها لم تنجح بعد في تشكيل حالة تطغى على حالة انعدام الوزن الذي يعيشها الفن التشكيلي.

المفارقة أن هذا الواقع لا يشكل السبب الرئيس لانصراف الناس عن متابعة المعارض التشكيلية، بل السبب ربما يكون إضافة إلى ما ذكرناه سابقا أن الجمهور يريد صورا ولا يريد لوحات.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر