الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

احذروا التقليد

خوف وهلع من قيام مؤسسات التخريب الصناعي العالمية وأجهزة الاستخبارات الشريرة بالاستيلاء على خلطة الفلافل.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/04/28، العدد: 9901، ص(24)]

شيء في عالم المال والأعمال والتجارة اسمه “Industrial espionage” لا أعرف له ترجمة موثقة، على مسؤوليتي سأسميه التجسس الصناعي. وهو ضرب من التخريب والتجسس لأغراض لا علاقة لها مباشرة بالأمن القومي. مؤسساته ليست صغيرة، ترصد له المليارات سنويا. وهناك فرع منه يختص بمكافحة قرصنة المنتجات والتزوير. شركات السيارات الكبرى حين تجرب موديلا جديدا تختبره بنسخة خاصة مضادة للتجسس. مرقطة مثل ملابس التمويه العسكرية ومغلفة بمخدات كبيرة تخفي الشكل الخارجي.

تعرفون بيل غيتس طبعا. هذا رجل ينفق الملايين لحماية ويندوز من المزورين. منذ زمن توصلت مايكروسوفت إلى وضع علامة بطريقة الهولوغرام على كل اسطوانات برامج الشركة درءا للتزوير. وشركة كوكا كولا تحيط مختبراتها بإجراءات أمنية لا تقل صرامة عن المنشآت النووية.

تلك مقدمة لا بد منها للحديث عن “فلافل العصفور” التي تباع في شارع قرب سوق الحميدية بدمشق. صاحب مسحوق الفلافل هذا حريص على منتجه. لكن حرصه فيه مبالغة مثل كل منتجي الأشياء الجميلة والبسيطة في الدول النامية وفي الوطن العربي بالذات. شيء غريب وإجراءات تشبه إجراءات مايكروسوفت وكوكا كولا وكبريات الماركات التجارية.

خوف وهلع من قيام مؤسسات التخريب الصناعي العالمية وأجهزة الاستخبارات الشريرة بالاستيلاء على خلطة الفلافل. تحرز من السي آي ايه والأف بي آي بالتغلغل وشراء الضمائر لمعرفة كمية الكزبرة المخلوطة بالمسحوق بالميلّيغرام. إجراءات درء التزوير تبدأ من لافتة المحل. تحت اسم فلافل العصفور، مكتوب تحذير صارم ينبؤنا بالآتي: لا توجد لدينا أي فروع أخرى. خشية أن تقوم الكي جي بي عبر عملائها الأوغاد بفتح محل يزعم أنه “فلافل العصفور” زورا وبهتانا بهدف هدم الاقتصاد الوطني.

ولا يكتفي المحل بهذا. هذا إجراء بسيط وتحذير مباشر للمواطنين الحريصين على رفعة الوطن. هناك إجراء أبعد وأعمق أثرا. المحل انتبه إلى أن بيل غيتس وضع هولوغرام على منتجه، شيء معقد وصعب التقليد. على كل علبة من مسحوق الفلافل هناك رسم لعصفور رسمها طفل موهوب، في الرابعة من عمره، له منقار أسود وجسم أحمر (العصفور وليس الطفل). ومكتوب على العلبة: تأكد من وجود علامة العصفور قبل الشراء. ما أحوجنا إلى هذا التحذير وتلك العلامة التي ستحبط محاولات أجهزة التخريب العالمية.

في بغداد هناك محل كعك السيد، يبيع الكعك والبقسماط ولا يقل حرصا وتخوفا من المؤامرات العالمية الدنيئة عن نظيره الدمشقي. هناك صورة للسيد نفسه تطالع الزائر وتحتها التحذير الخطير “لا يوجد لدينا أي فروع” و”احذروا التقليد”. وأتمنى صدقا أن يبلغ بالمحل التطور بحيث يستطيع وضع هولوغرام على كل قطعة كعك أو بقسماط.

لا أظن أن بلدا عربيا يخلو من شيء من هذا. خبز، طرشي، بقلاوة، مرغاز، كل شيء معرض لدسائس أعداء الأمة. وأدعو إلى وضع هولوغرام على كل خيارة من الطرشي وكل قطعة مرغاز. عندئذ فقط سنغفو آمنين مطمئنين على الوطن.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر