الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

لست جسرا بين الشرق والغرب

التأكيد على الهوية الفنية والحرص على إثباتها والدفاع عنها كنوع من التأكيد على الحق في الوجود بهذا العالم.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/04/30، العدد: 9903، ص(16)]

لم يعد الكلام عن “هوية فنية” تتميز بها الأعمال التشكيلية للفنانين العرب بشكل عام واللبنانيين بشكل خاص رائجا. إذ يعتبر أغلب القيمين على شؤون الفن أن الإشارة إلى الخصوصية الفنية لشعب دون آخر، هي ضرب من ضروب الرجعية في ظل العولمة التي تنحو إلى محو الفروقات بين الشعوب.

في الوقت نفسه يعتبر معظم هؤلاء أن قدرة الفنان المعاصر على التعبير عن فكرة أو شعور ما، هو ما يعطي العمل الفني قيمته. حتى أن التقنية التي يعتمدها الفنان لتنفيذ عمله لم تعد مهمة كما كانت سابقا، وذلك على حساب الفكرة المُراد تقديمها إلى المشاهد.

تنطوي هذه الرؤية المزدوجة على الكثير من التناقضات، إذ كيف تكون الأهمية لأي فكرة مطروحة، أو شعور مُعبّر عنه في لوحة هي في كيانها مُنفصلة عمّا يحيط بها من تأثيرات شتى؟

على سبيل المثال، إن ما يحدث حول لوحة قيد التشكيل في المنطقة العربية له أثر خاص، إن لم نقل مرّا، لا يشاركها فيه أحد. أيضا، في هذا السياق يبدو الكلام عن أهمية التفات الفنان إلى إرث وحاضر بلده -الذي هو جزء من العالم- وكأنه ممارسة خارج التعاطي والتآخي مع الإنسانية العالمية.

للكلام عن “الهوية الفنية” مصداقية كبيرة في زمن تدمير المدن التراثية، وعمليات المحو المقصود للذاكرة سعيا إلى ضرب المستقبل والسيطرة عليه. من هنا يبرز التأكيد على الهوية الفنية والحرص على إثباتها والدفاع عنها كنوع من التأكيد على الحق في الوجود بهذا العالم، لأنه إذا ما تحوّل العمل الفني في كل مكان إلى بناء ميّت يكرر صيغة واحدة، ويتبع سياقات متماثلة، فإنه لن يكون سوى خطاب قمع بدل أن يكون تطلعا إلى الحرية.

المفارقة أن التجارب أثبتت أن الفن الذي يلقى صدى في نفوس أناس لا ينتمون إلى البلاد التي صدر عنها، إنما يكمن في قدرته على نقل شحنة عاطفية وانفعالية خاصة ومغايرة، معبرا عنها بخصوصية تقنية تبدو فيها كل المؤثرات التي تسربت إلى يد الفنان وعقله ذائبة تماما في إطار عام مرتبط بخصوصية تاريخه، وخصوصية عينه وقلبه.

يرعى القيمون على الفن الغربي في الكثير من البلدان العديد من المعارض التشكيلية التي تقدم أعمالا سميت “بالفنون الشرق أوسطية” ليس فقط لأنهم أرباب سوق يعرفون كيفية تسويق المنتوج الفني الذي اختاروه، بل لأنهم، تماما، اختاروا من تلك الأعمال المطروحة ما لا يمثلهم ويتبنى خطابهم التشكيلي الغربي. فالخصوصية كانت ولا تزال هي المحرك الأول للمخيلة، وبالتالي لنجاح حركة السوق من بيع وشراء.

كثر الجدل حول “الهوية الفنية” في زمن جيل الرواد من التشكيليين اللبنانيين أمثال رشيد وهبي، ومصطفى فروخ، وعمر الأنسي وقيصر جميل واستمر هذا الجدل إلى سنوات الحرب اللبنانية (1975-1990)، إذ قدم الفنانون التشكيليون اللبنانيون من أمثال سيتا مانوكيان، وعارف الريس، وجميل ملاعب أعمالا تمتلك خصوصية لبنانية من حيث المواضيع التي تطرقت إليها، وأيضا من حيث الأسلوب الفني المُتبع.

إذا كان صليبا الدويهي الفنان اللبناني الرائد الذي يفتخر به لبنان كان قد أعلن منذ عقود عديدة وبعد سلسلة من التجارب الفنية “أنا عملت شي غير شكل.. رجعت إلى الأصول، إلى الجذور الموجودة في بلادي”، فما هو منتظر من الفنان التشكيلي اللبناني، المعاصر غير أن يبتكر هو أيضا نصا فنيا مُغايرا يجاهر به في الساحة الفنية العالمية؟

حبذا لو يقول الفنان التشكيلي اللبناني “لست فنانا معولما، قد خلع عني ثوب أحلامي وأوهامي الخاصة، لست جسرا بين الشرق والغرب، بل أنا الشرق المطل على العالم”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر