السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

بين الأسطورة والشعر

الرؤية الاستعارية للعالم والأشياء هي التي جمعت الشعر العربي المعاصر والأسطورة، إلا إن هذا الشعر في تعامله مع الأسطورة لم يقف عند حدود الأسطورة الغربية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/05/05، العدد: 9908، ص(15)]

المرويات الأسطورية التي تعد أقدم ميراث ثقافي إنساني مشترك، حاول الإنسان من خلاله تفسير ظواهر الطبيعة، والتعبير عن علاقته معها، ورؤيته إليها، إلى جانب تلك الرؤية الجمالية التي اختزنتها، لكن ما لفت نظر الباحثين وعلماء الأنثربولوجيا وعلم النفس والأساطير، هو الاشتراك في هذا الموروث كما تجلى ذلك في قصص الطوفان، الخلق، والموت والانبعاث والآلهة، وإن تباينت تلك القصص في بعض تفاصيلها، أو في أسماء أبطالها وأماكنها.

هذه الرؤية المشتركة التي عبر عنها الوعي الإنساني المبكر، كشفت عن وجود مخيلة إنسانية مشتركة، على الرغم من تباعد الأمكنة وانقطاع الاتصال بين مناطق العالم القديم وحضاراته المختلفة. الشعر العربي الحديث حاول كثيرا الاستفادة من المخزون الجمالي والرمزي والدلالي للأساطير، مع بداية ظهور تجارب الشعر الرومنتيكي، وذلك نتيجة تأثير بعض تجارب الشعر الغربي عليه، والترجمة التي عملت على نقل بعض كتب الأساطير اليونانية والدراسات التي تبحث في الأسطورة.

وبقدر ما عبر هذا التحول عن رؤية ثقافية وجمالية باتت تميز قصيدة الشعر العربي الحديث، فإنه شكل بداية لبروز ظاهرة الغموض التي أصبحت تسم تلك التجارب، وتحد من قدرة المتلقي العربي على فك مغاليق تلك القصيدة، التي انتقلت مع هذا التحول، من مستواها الغنائي البسيط إلى المستوى الدرامي المركب.

الرؤية الاستعارية للعالم والأشياء هي التي جمعت الشعر العربي المعاصر والأسطورة، إلا إن هذا الشعر في تعامله مع الأسطورة لم يقف عند حدود الأسطورة الغربية، بل عمل إلى جانب اهتمامه بتلك الأسطورة، إلى توظيف أساطير الشرق العربي القديم، مثل أساطير عشتروت وجلجامش وأدونيس، بهدف استعادة المخزون الثقافي المحلي، وإعادة تجديد علاقة الشاعر العربي معه.

لم تكن مسألة توظيف الأسطورة من قبل الشعراء العرب هي السبب في تراجع تفاعل المتلقي العربي مع هذه التجارب الجديدة، بل لعبت الأساليب والأشكال التي جرى من خلالها توظيف هذه الأساطير الدور الأهم في تحديد شكل هذه العلاقة، وتطويرها، أو العكس، خاصة بعد أن عجز العديد من الشعراء العرب عن استحضار وتوظيف مخزون الأسطورة الرمزي والجمالي، في التعبير عن قضايا الإنسان العربي، بحيث تكتسب الأسطورة داخل القصيدة بعدا دلاليا جديدا، إلى جانب القدرة على تمثل غناها الجمالي ودمجها في بنية القصيدة الجديدة.

الشاعر العربي الحديث والمعاصر زاد من مشكلة توظيف الأسطورة في قصيدته، عندما حولها إلى غابة من الرموز والأسماء الأسطورية، أصبح معها من المتعذر على القارئ فهمها واستيعاب العلاقة القائمة فيما بين هذا الحشد الغريب والمكثف بينها.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر