الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

حين يكون الصدى هو الصوت نفسه

المعارض التشكيلية التي تحتضنها بيروت هي بمثابة استصراخ واندماج شعريّ ما بين الصوت والصدى.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/05/07، العدد: 9910، ص(16)]

استقطبت بيروت في السنوات الخمس الأخيرة في معظم قاعاتها الفنية، سلسلة من المعارض التشكيلية لفنانين عرب بشكل عام وسوريين وعراقيين بشكل خاص. اعتبر هذا النشاط في الوسط الفني اللبناني نوعا من الاكتساح الفني على حساب تقديم أعمال للفنانين التشكيليين اللبنانيين، وذلك رغم الترحيب الذي لاقته الأعمال من القيمين على الصالات ومن متذوقي الفن التشكيلي.

المفارقة تكمن في أن هذا الاحتجاج لا يبدو مقرونا بوقائع تدعم حجته، بل على العكس من خطاب الاكتساح العربي والسوري خاصة للمجال التشكيلي اللبناني، فإن الحركة التشكيلية في بيروت انتعشت فعلا، إثر وبعد، اندلاع الثورات العربية.

ما حدث ولا يزال على الساحة الفنية هو أمر طبيعي جدا بالنسبة إلى مدينة كبيروت اشتهرت بأبوابها المشرعة على كافة التجارب الفنية، خاصة تلك المنبثقة من الحروب والانقسامات المدمرة.

إضافة إلى ذلك، فإن احتضنت بيروت غزارة تلك التجارب الفنية، فهي لا تحتضن إلاّ شذرات من ذاتها المتشظية.

بيروت مدينة لم تخرج تماما بعدُ من الحرب التي مزقتها، ولا يخفى على أحد أن ثمة مخاوف من اشتعال الانقسامات القديمة تماما، لأن النار لم تخمد حقا، بل هي لا زالت حية تحت الرماد، ولا زالت قضية المخطوفين خلال الحرب اللبنانية مأساة مفتوحة لم تحل ألغازها بعد.

ربما لأجل ذلك لا يبدو مستغربا أن لا يضم لبنان نصبا فنيا واحدا عن الحرب اللبنانية، مع أن البلد يعجّ بنحاتين كثر على مستوى عال من الخبرة التقنية والإبداع. حتى أن المبنى الذي سمّي بـ”متحف ذاكرة بيروت” والذي نخرت هيكله انفجارات الصواريخ والرصاص أثناء الحرب لم يتمّ إنجازه بعد.

كثر الكلام عنه لسنوات ورفعت بالقرب منه اللوحات الدعائية التي تؤكد على قرب افتتاحه واستقباله لنشاطات ثقافية، ولكن شيئا من هذا لم يحدث. لن يصدق أي عاقل أن السبب يعود إلى نقص في التمويل.

على الأرجح يعود ذلك إلى نقص في التصنيف وفي تسمية الأشياء والمجرمين بأسمائهم، وإن كانوا “مجرمين سابقين”.

الكتب المدرسية التي تتناول تاريخ لبنان والتي يدرسها تلامذة لبنان تقف عند الأربعينات من القرن الفائت. وكم من ملايين المرات سأل التلامذة أولياء أمرهم أو أساتذتهم “ولكن، ماذا حدث بعد؟”.

كل لبنان هو متحف مفتوح لذاكرة تأبى أن ينكأها سكانها، بالرغم من الرغبة الدفينة لدى معظمهم في المصالحة الفعلية التي لن تحصل دون الاعتراف بالمسؤولية عمّا جرى والكفّ عن اتهام الآخرين.

ربما لأجل ذلك يرى العديد من اللبنانيين في نصب شهداء الاستقلال نصبا وطنيا شاملا اكتسب مصداقية كبرى نتجت، بشكل شبه حصريّ، عن تبدل الكثير من ملامحه تحت وقع العيارات النارية التي تلقاها خلال الحرب اللبنانية.

المعارض التشكيلية التي تحتضنها بيروت هي بمثابة استصراخ واندماج شعريّ ما بين الصوت والصدى. فصوت الألم السوري، على سبيل المثال، المُجسد في الأعمال هو صدى لألم لبناني لم يهدأ بعد، والعكس بالعكس. ذلك يقيم نوعا من التلازم الحامي بين التجارب الفنية، يغني التشكيل اللبناني من جهة، ويبلور من آفاق التشكيل العربي من جهة أخرى.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر