الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الأميركيون والمعارضة يبيعون السوريين الأوهام

ما هي قدرة الائتلاف على فرض بنود أي اتفاق يمكن له أن يتوصل إليه مع ممثلي النظام الذين يقبل بالتفاوض معهم، بل ما هي قدرة الأطراف الداعمة له على فرض هذا الاتفاق.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2013/10/03، العدد: 9339، ص(8)]

منذ الإعلان عن إعادة الهيكلة الجديدة للائتلاف السوري وضم مجموعات جديدة من المعارضة السياسية والمسلحة إليه، صعد نجم ميشيل كيلو الذي تنقل بين هيئات ومكونات معارضة سورية مختلفة، حتى استقر به المقام أخيرا مع مجموعة من الديمقراطيين في الائتلاف.

صعود نجم كيلو ترافق مع انتقال ملف المعارضة السورية من قطر إلى المملكة العربية السعودية، التي كانت قبل ذلك قد استقبلت كيلو بعد أن رشحته فرنسا لها كوجه معارض يصلح للمرحلة المقبلة، كما يلاحظ ذلك سواء من خلال هيمنة مجموعته على الهيئة السياسية في الائتلاف، أو من خلال زيارة وفد الائتلاف بزعامة رئيس الائتلاف أحمد الجربا إلى المملكة، حيث تجاوز كيلو القواعد المتبعة عادة في البروتوكول عند دخوله مع الوفد للقاء ولي العهد السعودي. إذ تقدم الدكتور برهان غليون وجلس مباشرة بعد رئيس الائتلاف، رغم أن غليون هو رئيس سابق للمجلس الوطني ويفترض أن يجلس إلى جانب الجربا.

كيلو استغل الحظوة التي بات يتمتع بها عند السعوديين، ولذلك لم يأبه للقواعد والأعراف المرعية في هذا المقام، ما يكشف عن جانب مهم من شخصيته وسلوكه السياسي. قضية كيلو لا تتوقف عند هذا الجانب، بل تتجاوزها إلى ما هو أبعد من ذلك لأنه لم يوافق على الانضمام إلى الائتلاف لولا معرفته بمن سيكون رئيس الائتلاف، وذلك بحكم معرفته بالجهة التي ترشحه من جهة، ومن جهة ثانية بسبب علاقته السابقة بالجربا ومعرفته بخبرات الأخير المتواضعة سياسيا، مما سيمنحه دورا كبيرا وفاعلا في قرارات الائتلاف وتوجهاته، وهو ما نلاحظه في لقاءات رئيس الائتلاف المتعددة مع الأطراف الدولية، حيث نجد كيلو حاضرا في جميع هذه اللقاءات.

هذه القضية تطرح جانبا مهما من مشكلة الائتلاف ومن قبله المجلس الوطني وتتعلق بعلاقته مع الأطراف الإقليمية الداعمة له وقدرته على بلورة موقفه السياسي بعيدا عن أي تأثيرات خارجية، بحيث يعبر هذا القرار عن رؤية المعارضة السورية وإرادتها، وهو ما لم يتحقق حتى الآن لأسباب كثيرة في مقدمتها تدخل تلك الأطراف الإقليمية الداعمة في اختيار قيادات المعارضة وفرض رؤيتها عليها، وكلنا يعرف ما تعرضت له شخصية نافذة في المجلس الوطني ومع بداية تشكيل الائتلاف من هجوم واسع واتهام لها بالفساد وسواه، لكن الدعم القطري في تلك المرحلة- التي كان فيها القطريون يمسكون بالملف السوري- كان كافيا لفرض تلك الشخصية على الجميع، وجعلها ممثلة في جميع تشكيلات المجلس والائتلاف.

اليوم ومع تزايد تعقيدات المشهد السوري على صعيد العلاقة بين مكونات المعارضة السياسية الخارجية ممثلة بالائتلاف وعدد من القوى المسلحة في الداخل، بسبب الخطأ الذي تقع فيه تلك القوى السياسية عندما تتجاهل تلك القوى الفاعلة على الأرض، وتلهث خلف القوى الخارجية معتبرة أن نجاحها في كسب دعم تلك القوى لها كافيا للعبور نحو التسوية المطلوبة للصراع مع نظام القتل في دمشق.

صحيح أن هذه المعارضة التي لم تلق سوى الدعم الكلامي أو الهامشي ممن يعتبرون أنفسهم أصدقاء للشعب السوري، وأنها تحتاج إلى الدعم المالي والعسكري والسياسي من تلك الدول، لكن هذا يجب ألا يكون سببا للقفز فوق مطالب السوريين وقواهم المؤثرة، أملا بالخروج من عنق الزجاجة بعد إصرار النظام المدعوم روسيا وإيرانيا على مواصلة حربه ضد السوريين الثائرين عليه.

الأميركيون يبيعون السوريين الأوهام

الأميركيون بعد اتفاقهم مع الروس مؤخرا على المشروع الخاص بسوريا في مجلس الأمن يبيعون السوريين والرأي العام أوهاما كما فعلوا عند استخدام النظام للأسلحة الكيماوية في مجزرة غوطة دمشق، فالاتفاق لا يتضمن أي إشارة لتنحي الأسد، بل الموافقة على تشكيل حكومة كاملة الصلاحية لقيادة المرحلة الانتقالية في سوريا.

مشكلة السوريين لم تكن مع شخص بشار الأسد بل كانت مع نظام بشار الذي أرسى دعائمه الأمنية والعسكرية طوال أربعة عقود من الزمن، فهو جاء إلى سلطة منجزة ومكرسة وقوية بعد وفاة الأسد الأب، وهذه الأجهزة هي التي مكنته من السلطة ورعته وحمته وما زالت، وهي التي ترتكب المجازر والتدمير والأهوال بالتوافق معه.

وإذا ما كنا حسني النية بالروس وهو أمر مشكوك فيه كثيرا وبالأطراف الممثلة للنظام في المفاوضات المقبلة، فإن باب المناورة سيكون مفتوحا أمام بشار الأسد لأن تلك الأجهزة التي عبثت في الحياة السورية، ستشكل العقبة الكأداء أمام تنفيذ أي اتفاقات محتملة، وعندما يطلب من بشار الأسد الضغط عليها سيكون جوابه أنه شخصية بلا سلطة تؤهله للتأثير على تلك الأجهزة التي فعلت بسوريا كل هذا الخراب والقتل والتشريد والتجويع لكي يبقى هذا النظام. الوهم الأميركي الذي يسوقونه لنا يتمثل في حديثهم عن الاختراق الذي حققوه في مفاوضاتهم مع الروس، لأننا نعرف أن بقاء بشار في السلطة هو مطلب روسي ناهيك عن أنهم أثبتوا أنهم الأبرع والأكثر قدرة على المناورة وفرض الشروط في أي تسوية مع الأميركيين الذين لا يريدون التدخل العسكري بصورة مباشرة أو غير مباشرة في سوريا.

الروس يعرفون أنهم تركوا باب المناورة أمام بشار الأسد مفتوحا، والروس لا يهمهم بشار بقدر ما يهمهم بقاء المؤسسة العسكرية والأمنية التي تعتبر الحليف القوي لهم في سوريا، وسواء جرى التوافق على أسماء جديدة بدلا عن الأسماء التي احترقت بفعل اندفاعها المحموم للإجرام، فإن بقاء هاتين المؤسستين (العسكرية والأمنية) سوف يضمن للروس نفوذهم ولن يقود إلى التغيير الحقيقي الذي لا يمكنهم أن يضمنوا مصالحهم مع تحققه.

لا أحد يتوقع أو يوهم نفسه أن المفاوضات في حال الوصول إليها سوف تكون سهلة وأن النظام لن يلجأ إلى إغراقها في التفاصيل واستنزافها في الوصول إلى تفاهمات حول جميع القضايا التي ستطرح على الطاولة، وقد أثبت هو الآخر قدرته على المناورة واللعب والتسويف والمخادعة، مما سيجعله الطرف الأكثر تأثيرا في تلك المفاوضات وفي إطالة أمدها وامتصاص زخمها وإدخالها في متاهات لا تنتهي. ولذلك فهو يسعى لتحقيق مكاسب عسكرية مهمة على الأرض لاسيما في منطقة دمشق وغوطتها.

السؤال الذي يطرح الآن هو لماذا يتصرف قادة الائتلاف بمعزل عن رأي القوى السورية الأخرى وفي طليعتها القوى المقاتلة، حتى وصل الأمر إلى قيام عدد لا يستهان به من تلك القوى إلى إعلان رفض تمثيل الائتلاف لهم والعمل على تشكيل فصيل إسلامي جديد، إضافة إلى إعلان أكثر من مئة شخصية عسكرية رفضهم المفاوضات مع نظام الأسد طالما بقي الأخير في السلطة؟

مقابل هذه المواقف الرافضة ما هي قدرة الائتلاف على فرض بنود أي اتفاق يمكن له أن يتوصل إليه مع ممثلي النظام الذين يقبل بالتفاوض معهم، بل ما هي قدرة الأطراف الداعمة له على فرض هذا الاتفاق، وكلنا نعرف تعقيدات المسألة السورية من خلال تنوع وتباين الجهات الداعمة والمؤثرة على الساحة السورية كدول وأحزاب وجماعات.

من هنا تظهر جيدا حقيقة الأوهام التي يبيعها الأميركيون لنا ومعهم المعارضة السورية التي يقودها كيلو ومجموعته التي يسهل عليه قيادتها.

كاتب وصحفي سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر