الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

وسائل الاتصال الحديثة وموت النخب الثقافية

المعرفة باتت مشاعة للجميع لكن من لم يكن منتجا لها لن يستطيع البقاء أو لن يستطيع مقارعة من اكتسبوا هذه المعرفة بالطرق التقليدية أو غير التقليدية.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2015/05/12، العدد: 9915، ص(18)]

وسائل الاتصال الحديثة كسرت النخبة الثقافية بمفهومها التقليدي، حيث لم تعد المعرفة إنتاجا وامتلاكا وابداعا حكرا على هذه النخبة، وأصبحت المعرفة على قارعة طريق التكنولوجيا السريع ولم يعد هناك من دور للنخبة، مثلما حققت هذه التكنولوجيا نقلة معرفية كبيرة في كل مساراتها.

وبات للمبدع اليوم، نافذة (ضرورية) يطل من خلالها على ما خفي عنه وما يُريد أن يعرفه ويتعرف إليه. لقد تقلّصت المسافة بين الوعي والإبداع، تداخلا إلى حدّ التشابك، ولعبت التكنولوجيا دورا بارزا في هذا السياق، لكنها أوقعت المبدع في (فخ) الاسترخاء، الأمر الذي يخفّف من عناء وعيه (الضروري) لإنتاج الإبداع.

إن الأمر الأساس الذي يجب التركيز عليه هو أن العلم والتقنية الجديدة كلاهما من المكونات العضوية في الثقافة. وهما لايصبحان مرتبطين اجتماعيا ومنتجين اقتصاديا إلا إذا تم دمجهما في البيئة الثقافية التي يعملان فيها، وبذلك يصيران ظاهرة ديناميكية تستحث التجديد والإبداع.

وبالتأكيد فإن الإبداع هو الذي أنتج التكنولوجيا حتما، وإذا ما توقفنا جليا أمام هذه المعادلة، فلا بُدّ أن نصل إلى قناعة راسخة بأن الإبداع هو أمر فالت، خيال فوّار، رغبة جامحة، غياهب عامرة وعابقة، مسافة بلا نهاية، وعي مُتدرّج، إيقاعات مسموعة ومحسوسة، نبض في المكان والزمان.. فهل تستطيع التكنولوجيا ترجمة ورسم حدود كل هذا الوهم العامر؟

إن الثقافة إبداع، وعبقرية إنسان، وأنا لا أخاف على هذه الظاهرة، لأنه من خلال التكنولوجيا والاتصالات ندخل في منافسة حول بقاء الأفضل، وفي الثقافة نحن بحاجة إلى أشياء جديدة، وبخاصة الثقافة العربية المعروفة بغناها الكبير.

ودون شك فإن التكنولوجيا أسهمت بإحداث نقلة نوعية في الوعي والمعرفة لدى النخبة وسائر شرائح المجتمع، لكنها لم ولن تستطيع إشاعة الإبداع، لأن الإبداع كالطقس والمناخ، لا يولد إلاّ بعد مخاض الزمان والمكان، وإلا كيف للوعي الإبداعي أن يأخذ شكله الثابت في الذاكرة والخيال وهو في الأصل، لا شكل له، لا ثبات في تدرّجه، لا مسافات تحدّه أو تُرشده، وقبل هذا كله هو جوهر المعنى وحرية الروح، واللغة المفتوحة على حياكات واشتقاقات وتنوعات في الوعي ذاته؟

إن وسائط الاتصال الحديثة لم تكسر المفهوم التقليدي للنخبة الثقافية فقط، بل هدمتها مع بقية النخب الأخرى، لدرجة أننا نسمع أصواتا كثيرة من بين هذه النخب تطالب بوضع قيود ما على هذه الوسائط وعلى ما نتج عنها من منجزات تقنية وترفيهية وإبداعية، وهو ما يتعارض تماما مع وظيفة النخبة الثقافية تحديدا، وبدرجات أقل مع وظائف بقية النخب.

ولا شك أن الوسائط الجديدة أزاحت الهيمنة المطلقة للمركز القديم، وشكلت فضاء أوسع من الحرية التي تعد القيمة الأساسية في الثقافة، ولذا نستطيع صوغ عبارة أكثر دقة بأن وسائل الاتصال الحديثة قد أسهمت في توسيع مفهوم النخبة قليلا لكنها ليست بديلا لشيء ولا لصيغة، إنها تعبير عن حيوية جديدة أسميها دوما بحيوية الاختلاف التي تحتاج إليها أي جماعة بشرية.

ولذلك إن كل نمط جديد من التطور في مجالات الاتصال والتواصل الاجتماعي يخلق نخبا خاصة به، فالنخب حتى الآن هي نفسها تقريبا، لكنها خلقت حواش وهوامش ولم تخلق نخبا بديلة، فحتى الآن ما زلنا نقرأ لنفس الأسماء تقريبا إعلاميا وشعريا وروائيا، لكن دائرة التلقي تتسع يوميا على حساب دائرة الإبداع، والسبب هو أن وسائل الاتصال خلقت كمّا من التعاطي الثقافي ولم تخلق كيفا لذلك التعاطي.

إن المعرفة باتت مشاعة للجميع لكن من لم يكن منتجا لها لن يستطيع البقاء أو لن يستطيع مقارعة من اكتسبوا هذه المعرفة بالطرق التقليدية أو غير التقليدية، والتي أصبحت تقليدية بدورها، وكل الوسائل الجديدة التي قربت الثقافة حافظت على الفرق بين من ينتج إبداعا، وبين من يستهلك، فالثقافة فن نبيل مكانه ليس قارعة الطريق، واقترابه من الجميع لا يعبر عن خلق مثقفين جدد، هناك فرق بين المنتج والمستهلك، والمنتج لن يتساوى مع مستهلكين يتعاطون فنا لا يجيدون فهم تفاصيله.

لكل تلك الأسباب السابقة من الصعب الآن أن نحدد ملامح النخبة الثقافية، ومن الأصعب أن نبلور مفهوما واضحا لها، بالطبع يمكن أن نلجأ نظريا، وهذا ما يحدث عادة، إلى تعريفات كلاسيكية مثل مفهوم المثقف، والمثقف العضوي لدى غرامشي أو غيره. ولكن هذا لن يحل مشكلة انهيار المفهوم في ظل الانتشار المتسارع للتقدم العلمي التقني من جهة، ونجاح وسائل الاتصال في هدم كل التصورات القديمة لدى المثقف، وتدمير كل عالمه الكلاسيكي السكوني المحافظ، وفي نهاية المطاف يبقى أن بلورة مفهوم جديد لهذه النخبة تحتاج إلى وقت ليس بالقصير لصياغة عدة مفاهيم متنوعة لهذه النخبة انطلاقا من رؤية العالم والتعامل مع المنجز العلمي، والمشاركة فيه أيضا.

أكاديمي وإعلامي من العراق

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر