الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

العرب وتقليم قرون الكبش الإيراني

العرب لديهم معارك ضد الإرهاب، وضد المشاريع القديمة المتجددة التي تتبناها طموحات ما يعرف بالثورة الإسلامية وصادراتها، أما إيران فإنها تتبنى إرهابها وتمددها وميليشياتها وتوسعها.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/05/14، العدد: 9917، ص(8)]

حاتم عبدالله سعد، تذكروا هذا الاسم جيدا، إذا أنتم تكرمتم بقراءة مقالتي إلى نهايتها، قصته طويلة جدا، لكننا نحيد عنها لنبدأ بنسبة كبيرة من البيوت في معمورتنا المهددة بالتفليش والتهديم، تنام على القبول بالأمر الواقع والتعايش المفترض بين المتعاقدين تاريخيا وجغرافيا على الوئام الدعائي الترويجي، وكأن أهل الدار لا هم لهم إلا صيد الفراشات ومداعبة الغزلان والقطط السيامية في حدائق الكروم وهبات الجمال والسكينة.

الحقيقة الصادمة في السكينة التي تعني الطمأنينة، لكن ما إن تكسر حرف السين فيها حتى تتحول إلى ما خلف الظهور من سكاكين مخبأة شُحذت جيدا ليوم يتم فيه تدشين الأوهام القديمة لغة وسلوكا فاضحا، يتبين حينها أنه كان منزلا، نُزُلا ودارا، يتآمر على ساكنيه والمارين به والمتعاطفين معه والمناوئين.

36 سنة مرت على ما عُرف بالثورة الإسلامية في طهران. 36 سنة لم تكف لتتحول الثورة إلى دولة، والدولة إلى أمة، وبقيت آثار الاستبداد القديم ماثلة في السلوك المتخلف الذي سيدفع بساكني البيت الفارسي إلى تمردهم الخاص، ورفضهم الكيان القائم على استخدام الإعلام المزدوج أو الأكاذيب والتضليل، هذا ما حصل حتى من دولة كبرى مثل أميركا في تمهيدها لغزو العراق بحجة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، وطريقة العرض الفنية لتمرير الكذبة المقصودة، بعد إنجاز المهمة وانفضاح أمرها، لم يكن أمام من لفّقها سوى التعبير عن خطأ المعلومات، دون تسوية الأمر، وإعادة ما هدمته الحروب، وتعويض المتضررين.

الجرد الذي كان يجب أن يحصل بعد الثورة على الشاه، وقفة من الداخل لشعب لم أشك لحظة في رغبة قطاعات كبيرة منه في الخلاص ودعم الديمقراطية ومبادئها واحترام تطبيقاتها، دون الاكتفاء بالشكليات كما يحدث في أذرعها العراقية والسورية في الممارسات الساذجة للألعاب الديمقراطية، وهي مهازل روائحها تزكم الأنوف.

من تجربتي الشخصية وقبل تحرير شبه جزيرة الفاو من العدو الإيراني يوم 17 أبريل 1988، وكان أول يوم من شهر رمضان، وعلى الرغم من كل التحصينات التي استعد لها العدو خلال سنتين من احتلاله لها، بزراعة حقول الألغام، وحفر الخنادق، وشق المجاري المائية لإعاقة الدبابات، ومع طبيعة الفاو الملحية وبيئتها الاستثنائية إلا أن القوات العراقية أنهت المهمة بسرعة قياسية لم تتجاوز 35 ساعة وبأقل الخسائر.

أنقل ذلك لأعود إلى أيام سبقت تحرير الفاو، إذ عمدت القطعات العسكرية العراقية في القاطع الجنوبي، بالذات في جبهة القرنة ومقترباتها، إلى شن هجوم ناري كثيف بزخم متواصل من كافة الأسلحة ولمدة نصف ساعة، ولم يكن هناك أي تقدم بري للمشاة أو المشاة الآلية، كان ذلك درسا في الخطط العسكرية، لاكتشاف معنويات العدو من خلال استراق البرقيات الصادرة من المواضع التي تتعرض للقصف تحت خط النار.

توجهت في اليوم التالي إلى الخطوط المتقدمة لألتقي بآمر أحد الألوية، وبرفقتي مصور وسائق عجلة، تعرضنا أثناء محاولتنا الوصول إلى قصف بالهاونات، وعندما وصلنا إلى مقر اللواء تابع العدو قصفه بالمدفعية ودخل الجنود إلى المخابئ. وفي غرفة المحركات تعرفت إلى الضباط وآمرهم الذي تمازح معي والتراب ينثال فوق معدات الاتصال ومنضدة الخرائط “أنت وغبار عجلتك سببت القصف”، وطبعا كانت الأسئلة عن هجوم الليلة السابقة فأوضح لي أسبابها التي ذكرتها، وما علق بذاكرتي ما قاله عن الخوف الشديد في المواضع الإيرانية وهروب أفرادها، ذلك لأن معظم الجثث كانت حركتها باتجاه أراضيهم، والبرقيات المسترقة كانت تردد الصراخ بأن المقاتلين العراقيين دخلوا مواضعهم، في حين لم تتحرك أي وحدة عراقية.

كان هذا التعرض وغيره، بالونات اختبار مهدت للانتصار الساحق في الفاو وما تلاه من تفوق حاسم في المعارك اللاحقة التي أدت إلى رضوخ النظام الإيراني للسلم، وإيقاف القتال مجبرا وتجرعه السم بتوقيعه على نهاية العدوان على العراق.

أحببت أن أذكِر أمة العرب بمداخلات الاستعلاء الفارسي عليها في فترات متباينة من التاريخ. فهي لن تعود إلى رشدها إلا بوجود الرادع، وأن كل “هيلمان” قوتها يهتز بالمواجهة والحزم، وصورة الجبهة التي ذكرتها تماثل الحزم العربي في اليمن، وارتداداته في الهذيان السياسي والوعيد والارتباك في تصرفات إيران وأتباعها خاصة على الأراضي السورية والعراقية.

العرب لديهم معارك مفتوحة ضد الإرهاب، وضد المشاريع القديمة المتجددة التي تتبناها طموحات ما يعرف بالثورة الإسلامية وصادراتها، أما إيران فإنها تتبنى إرهابها وتمددها وميليشياتها وتوسعها وباتت على أعتاب أخرى من أمتنا.

لم يعد أمام أمتنا إلا الصمود بوجه “الكبش الإيراني” الهائج، وإعادة لجمه وتقليم قرونه وإخماد نار الحرب المذهبية بين شعوبنا التي سرت في هشيم التراخي وقبول الأمر الواقع.

حاتم ابن عبدالله ابن سعد ابن آل فاضل ابن امرؤ القيس، هو حاتم الطائي الذي ذهب مثلا في كرم العرب وطيبتهم وحبهم للضيوف، فكانوا للناس منازلَ ومضايف خلقٍ عظيم، لكن حاتما لا يمكن أن يفرط بدياره وأهله وأرضه، كما فعل العرب يوم سلموا العراق وسوريا إلى إيران، وفرطوا ببوابة أمنهم وأنساب قبائلهم وامتدادهم ومصيرهم.

حزم العرب في اليمن، بالون اختبار لمعارك حزم بوجه شطحات وجنون وقمامة فكر الاستعلاء الفارسي.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر