السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

المحو المنظم للخيال والدهشة

المشكلة هي أن لا يتحول الطفل إلى راشد سقيم قبل أوانه بكثير، المعضلة هي أن يظل كائنا غضا يختبر العالم بقلب واسع وبـ”حشرية” كبيرة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/05/14، العدد: 9917، ص(16)]

"كل طفل فنان، المشكلة هي كيف تظل فنانا عندما تكبر". اختصر بابلو بيكاسو بهذا القول العصب الذي شدّ به أواصر كل عالمه الفني الذي اختبر من خلاله معظم التقنيات الفنية التي كانت متاحة آنذاك.

أصبحت التقنيات الفنية في عصرنا أكثر تنوعا، إضافة إلى ذلك دخل تدريس الفن إلى المدارس في العالم العربي، وأثبت حضوره في مجال تطوير شخصية صغار السن وتحويل النشاط العدواني إلى نشاط منتج، وفي التغلب على بعض الصعوبات التعليمية. كل ذلك يحدث في الفترة التي تسبق المرحلة التكميلية من التعليم. إن الصعوبة وقسوة التحدّي التي يواجهها أستاذ الفنون في المرحلة التكميلية، تكاد تكون منقطعة النظير أمام مراهقين فقدوا طعم الدهشة، ونخرهم الملل الذي طال ذويهم قبل أن يصل إليهم.

تتضافر عناصر مختلفة لتجعل تعليم تاريخ الفن التشكيلي أمرا يقارب المستحيل، من هذه العناصر عدم إدراج هذه المادة ضمن المنهاج التربوي واعتبارها نشاطا هامشيا، وكذلك موقف ذوي الطلاب الذين يعتبرون حصص الفنون حصص لهو واستراحة يتسبب بتقييم سلبي عام.

يواجه أستاذ الفنون في المرحلة التكميلية مواقف تعبر عن فقدان حس الدهشة لدى المراهقين، من بينها تلك التي تحدث فيها أستاذ الفنون عن اللوحات التي رسمها الفنان خوان ميرو هربا من أجواء الحروب، وذلك عبر تسلقه ذهنيا وفنيا “سلم الهروب” إلى عوالم الكون الحرّ.

لقد عرض الأستاذ اللوحات التي تظهر فيها النجوم و”سلالم الهروب” التي صنعت شهرة الفنان، ثم عرض أمامهم مقطع فيديو رائعا عن الكون، لينتقل بعد ذلك إلى النقاش حول اللوحات التي تصور النجوم في السماء الليلية.

لم يلحظ الأستاذ أدنى اهتمام بالفيديو المعروض لدى الطلاب، كما لم يتحرك عندهم أي حس بـ”الحشرية”، ولم يدركوا العلاقة بين أحداث الكون العميق ولوحات الفنان.. أحد التلامذة سأل الأستاذ “أتريد أن تقول لي بأن ميرو أضاع وقته في النظر إلى النجوم لكي يرسم لوحة؟”.

المشكلة هي أن لا يتحول الطفل إلى راشد سقيم قبل أوانه بكثير، المعضلة هي أن يظل كائنا غضا يختبر العالم بقلب واسع وبـ”حشرية” كبيرة.

فقط الشغف الهائل عند معلم مادة الفنون حتى يكون قادرا على تخطي الحواجز الذي أقامها العالم العصري في وجه اتصاله مع طلابه. من هذه الحواجز الضجيج المتواصل في الشارع والمنزل، إذ أصبح السكون ولو لفترات وجيزة عدوا فتّاكا يجب قتله. ربما لذلك تحرص المقاهي التي يرتادها المراهقون على رفع صوت الموسيقى الصاخبة بغية تفجير الصمت الذي يشجع على التأمل؟

تلعب الثورة التكنولوجية والمعلوماتية الدور الأكبر في الاستحواذ على وقت وذهن المراهق. ما من بيت إلاّ واجتاحته الألعاب الإلكترونية التي قد لا تكون مدمرة للخيال إلاّ في حالة إدمانها. الإدمان عليها من قبل المراهقين، حسب العلماء، أمر بالغ السهولة، كما تأخذ مواقع التواصل الاجتماعي مكان الاتصال الفعلي مع الأهل والأصحاب والذات.

إذا كان الإحساس بالدهشة أمام الأشياء والكائنات الأكثر بساطة، هو حالة فطرية ملازمة للمرحلة المبكرة من العمر، فهي قابلة للتدمير كما يحدث الآن خاصة في العالم العربي الذي تجتاحه الحروب إذ تفرز صورا مفزعة تحتل الشاشات التلفزيونية. لقد أصبحت الأجهزة الإلكترونية المختلفة هي “سلم الهروب” البديل إلى شحّ الخيال والانغلاق على الذات.

“تنظر إلى لوحة طوال أسبوع ولا ترى فيها شيئا، تشاهد لوحة ما للحظة واحدة، فإذا بك تفكر فيها كل يوم من أيام حياتك”، هذا ما قاله ميرو. هل من الممكن أن نشهد ظهور جملة مماثلة على لسان أحد مراهقينا في ظل النظام التعليمي الحالي؟

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر