الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

ألهذا سمّوْك نكبة

ما هي النكبة التي نريد أن نحتفي بها بعد مرور 67 عاما عليها. وكيف لنا أن ننصر وطنا أضحى منسيا وسط لهيب النيران المشتعلة من حوله.

العرب أحمد فايز القدوة [نُشر في 2015/05/19، العدد: 9922، ص(8)]

لم تعد الألوان الزاهية المفرحة تعجب العرب. يبدو أنهم اختاروا “السواد” لونهم المفضل بعد مشقة السنوات المُرة التي عاشوها على وقع الحروب والانتفاضات وفوضى الاقتتال والموت على الهوية.

بدا أن المشكلات والمعضلات الكبرى خلقت لتكون في أرض العرب. حروب بأسماء متعددة تبدأ من دجلة والفرات، وتمر بسوريا إلى لبنان، وتطير إلى اليمن وتعود إلى فلسطين قضيتهم الأولى.

في كل يوم عربي بات الألم سيد الموقف. وساستنا لا يريدون الانتصار، يعملون فقط على الانتظار. وفي كل يوم عربي يخرج علينا “مفتي السلطان” أو مفتي “دولة البغدادي” أو “شيخ مجهول” ليعطينا دروسا في الدين والانتماء والوطنية. ولم نعد نفهم ما يريدون ولم نفهم بعد ما نريد؟

إلى أين ستصل بنا تلك الفوضى، التي جعلتنا بلا أوطان ولا هوية معروفة. هل ستصل بنا إلى تفتيت، أم إلى لملمة ما تبقى لنا من أوطان. هل نفيق من غفوتنا. لكننا لا نفيق.

قبل أيام احتفى الفلسطينيون بمرور 67 عاما على النكبة. ذاك الجرح الذي لم يندمل بعد، ويبدو أنه سيطول ما دامت الحرائق تندلع في كل منطقة عربية. في غمرة “الاحتفاء” بالنكبة، بات المواطن العربي البسيط، الباحث عن أمل يخرج به من شقائه وعنائه وخوفه، غير قادر على إنتاج يوم بلا ملل. ساستنا سبب المشكلات، فهم لم يفهموا بعد حاجاتنا إلى الحرية والديمقراطية والأمان والسلام والرخاء.

ساستنا قتلوا فينا الحلم حتى صرنا بلا قلوب. عقولهم المتحجّرة تعمل بطريقة عكسية لا تنتج ولا تقوى على الإنتاج. فهم اعتادوا البخل السياسي والحلول “الظرفية”. مسكناتهم للآلام ولمشكلاتنا وهمومنا اليومية تستخدم منذ فلول عهد الاستعمار العثماني. لا شيء جديدا لديهم سوى رسم “نكبات” على أبواب بغداد ودمشق وبيروت وغزة.

هم اعتادوا جلب القديم والمتخلف من مرشدهم في طهران، الذي يعيش في بذخ كبير ويجوّع شعبه باسم “الموت لإسرائيل والموت لأميركا”. ساستنا يزعمون أنهم يمتلكون صكوك الغفران وسيدخلوننا الجنة بعد موتنا باسم الوطن.

ما هذا السواد؟ ألهذا السواد نحتفي بالنكبة؟

مشهد النكبة يتكرر يوميا ويُرسم بأشلاء تتطاير في كل منطقة عربية، وما زلنا نبحث عن الاحتفاء بحدث يذّكرنا بماضي أجدادنا وآبائنا وأرضنا التي لن ننساها مهما طال الزمن. وما زال العرب في سباتهم أو غفلتهم عن “قضيتهم المركزية” لأن أهلها، ونقصد ساستنا، في ضياع من أمرهم وسط فوضى الانقسام والاقتتال والخراب والمتاجرة بالدين والتبعية لأجندات خارجية وغفوتهم القاتلة في زينة السلطة.

ما هي النكبة التي نريد أن نحتفي بها بعد مرور 67 عاما عليها. وكيف لنا أن ننصر وطنا أضحى منسيا وسط لهيب النيران المشتعلة من حوله. أضحت للعرب “نكبات” منذ أن اعتلى “تجار الدين” السلطة، ومنذ أن وضع ساستنا “بيضات” قراراتهم في حجرة البيت الأبيض.

بعد مرور 67 عاما على نكبة شعب أبى إلا أن يصمد بوجه العواصف، لا بد لنا أن نشكر الصمت في زمن المشقات السياسية والمشانق التي نصبت على أبواب مساجدنا. بات الوقت يحتّم علينا أن نسترجع بعض الذي فات من “كرامة”، ونعيد “أمجاد” معارك لم تندلع بعد.

في ذكرى “النكبة” علينا أن نحيّي بطولات كتبت بالدماء على أبواب القدس، ولا ننسى خارطة الجغرافيا المنسية. بالمقابل لا بد أن نصرخ بوجه هؤلاء الذين يرسمون السواد في أوطاننا (في فلسطين والعراق وسوريا و..)

لا بد أن نلعن هؤلاء المتاجرين بالدين الذين يسيّرونه على أمزجتهم وأهوائهم. ألم تكف المعارك الدامية. لا نريد نكبة بعد اليوم ولا مشقة.

ما هذا السواد المستورد من أصفهان وقم. ما هذا الخوف المرسوم بلا وجل فوق جباه صغارنا. ألهذا يريدون لنا أن نحيي نكبة رسمت المآسي والمجازر في تاريخنا، وضيعّت جغرافية حدودنا. ألم يحن الوقت لنفيق من غفوتنا ونستعيد المبادرة للبناء.

النكبة جعلوها ذكرى في سجلاتهم، فالضحية أسير بين جدران مخيم يبحث عن “عودة”، والجاني طليق بلا رادع، والشقيق في سبات بلا منازع. ألهذا سمّوْك نكبة؟

كاتب صحفي فلسطيني

أحمد فايز القدوة

:: مقالات أخرى لـ أحمد فايز القدوة

أحمد فايز القدوة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر