الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

أبو سياف التونسي وسقوط مقولة الشخصية القاعدية

مفاجأة حكومة الصيد من خبر التصفية، تعود إلى فقدانها قاعدة معطيات عن التونسيين الذين يقاتلون في سوريا والعراق والذين يمثلون قنبلة موقوتة جاهزة للانفجار في تونس والمنطقة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/05/19، العدد: 9922، ص(9)]

تكفّل آلاف المقاتلين التكفيريين التونسيين في العراق وسوريا بإسقاط مقولة عنوانها “الشخصية القاعدية”، منطوقها أنّ “تمازج التاريخ والجغرافيا والحضارة” يؤصل لهوية جماعية تمثل القائم المشترك لكافة الهويات الفردية في رقعة جغرافية محددة، ومنطقها أنّ الشخصية التونسية، السلمية والمعتدلة، هي محصّنة ضدّ دعوات التطرف وضدّ مسوغات العنف وضدّ ديباجات الإرهاب.

ولئن نجحت الشخصية التونسية القاعديّة في التصدي الذاتي والجماعي وفي المقاومة السلمية للدعاية للإرهاب الأفغاني في “طورا بورا” وقندهار، إلا أنّها أصيبت في مقتل في خضم “الإرهاب المعولم” و“التطرف الميدياتي”، من الميديا الجديدة، والتنطع الناعم المتسرّب إلى عقل الشباب التونسي عبر منظومات دعائية متطورة تحوّل عمليّة “القتل المجاني”، إلى “قصّة إخبارية مصورة” بمؤثرات لافتة، تحتاج إلى مزيد من القراءة المتأنية والتحليل العميق.

استحالت مقولة الشخصية القاعدية التونسية قميص عثمان ترفعه الحكومات المتعاقبة بعد 14 يناير 2011 قصد إخفاء عجزها عن التصدي للإرهاب ولمسوغات التطرف من خلال الاعتماد على مبدأ ذرائعي يعطي للتونسيين “رضا ذاتيا مؤقتا”، ولكنه يفضل إخفاء الجرح الحضاري والعسكري والسياسي الغائر عوضا عن مداواته.

اليوم، تتفاجأ حكومة الرباعي في تونس بخبر اغتيال القيادي في الصفّ الأوّل في تنظيم “داعش” الإرهابي أبو سياف التونسي بعد عملية عسكرية شنتها القوات الأميركية الخاصة في الشمال السوري.

مفاجأة حكومة الصيد من خبر التصفية، الذي نقلته واشنطن إلى تونس بعد الاغتيال، تعود أساسا إلى فقدانها لقاعدة معطيات ومعلومات عن التونسيين الذين يقاتلون في سوريا والعراق والذين يمثلون “قنبلة موقوتة” جاهزة للانفجار في وجه تونس خاصة والمنطقة المغاربية بصفة أعمّ.

كما أنّ صدمتها بـ“النبأ” ترجع، أساسا، إلى قراءة خاطئة لطبيعة الوظيفة القتالية التي يؤمنها التكفيريون التونسيون في التنظيمات الإرهابية، ذلك أنّ مقولة تفسيرية ضعيفة استحالت إلى حقيقة مسلمة صلب دوائر اتخاذ القرار بأنّ “المقاتلين” التونسيين هم مجرّد بيادق وأدوات تنفيذية لدى قيادات الصفّ الأوّل في التنظيمات التكفيرية التي عادة ما تكون من جنسيات خليجية أو مصرية، إلا أنّ اغتيال أبو سياف التونسي قوضت هذه المقولة من الجذور، وبينت أنّ جزءا معتبرا من تونسيي “الشتات الإرهابي” يحتلون مراكز اتخاذ القرار الإرهابي، ويسيطرون على أهمّ المناصب التنفيذية و“التشريعية” الإرهابية في تنظيم داعش وجبهة النصرة.

وهنا أيضا تفقد “مقولة” الشخصية القاعدية التونسية جانبا كبيرا من جاذبيتها التحليلية ومن قدرتها التفسيرية، فتونسيو داعش والنصرة ليسوا ضحيّة لقيادات أجنبية، كما تسوّق لذلك بعض الأطراف، بل هم “المركز” و“المحور” في الفعل الإرهابي والباقون هم “الهامش”.

قد تكون مقولة “الشخصية القاعدية” قادرة على تحليل المسلكية الحضارية التي تصرّف بمقتضاها التونسيون ردا على “الوجود الفاطمي”، أو تنديدا بوجود بعض التنظيمات التنصيرية التي استوطنت تونس قبل الاحتلال الفرنسي وإبانه، أو تحفظا عن رسائل فقهية سياسية مختلفة عن المتن والسند التونسيين، ولكنّها قاصرة عن الصمود عندما يكون التحدي في حجم منظومة دعائية إرهابية تبدأ من “الفيسبوك” و“تويتر” وبعض القنوات المبيّضة والمتضامنة والمؤيدة مع الإرهاب وتمّر عبر محراب المسجد، ولا تنتهي عند واقع اجتماعي تعيس وحاضر اقتصادي مسدود، وأمل شبه مفقود في الاستجابة لطموحات جيل من الشباب الثائر الذي يريد لأحلامه أن تتحقق، وهذا حقّه، وفق ثنائية “الآن وهنا”.

الإشكال أنّ الشخصية القاعدية التونسية هي نتيجة وليست مقدّمة، فإن اجتمع النمو الاقتصادي مع الكرامة الاجتماعية مع الحرية السياسية مع السيادة الوطنية، فإنّ الشخصية القاعدية ستعزز كحقيقة ومبدأ، وإن كان العكس فليس من المنتظر أن تبقى الشخصية القاعدية عنوان افتخار في واقع القوي يأكل فيه الضعيف.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر