الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

ماغريت في إيران

الفن الحديث هو الأجدر بأن يعتبر الأشمل إن كان لا بدّ من التصنيف. فهو خلافا للفن المعاصر لا يحتاج في معظمه إلى نصوص مرافقة “تفسره”، بل يكتفي ببصريته ليدل على موضوعه.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/05/21، العدد: 9924، ص(16)]

كلما دار الحديث بين اثنين حول الفرق ما بين الفن الحديث والفن المعاصر، انتهى الأمر إلى تراشق كلامي، هدفه نيل اعتراف الآخر بأن هذا الفن أهم من ذاك أو بالعكس. نتيجة لذلك غالبا ما يقع الأول، أي الفن الحديث، ضحية الثاني أو يظهر مهزوما وأقل قيمة منه.

من وجهة نظر تاريخية، إن الفن الحديث هو الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وانتهى في أواسط القرن العشرين. لا يذكر هذا الفن إلاّ مرتبطا بالمدارس الفنية التي نشأت خلاله كالانطباعية والوحشية والفطرية والتكعيبية والدادائية والتي كان لها أثر كبير على ما جاء من بعدها.

أما الفن المعاصر فبرز منذ عشرين سنة على أبعد تقدير، ويتمثل في الأعمال التي ينتجها فنانون ينتمون إلى الحاضر، ويعبرون عنه من خلال تقنياته ومساحاته المفتوحة على مواضيع تقع خارج حدود اللوحة.

المتحمسون لما يسمى بالفن المعاصر يعتبرونه أعلى شأنا من الفن الحديث، لأنه نتاج هذا العصر من حيث استخدامه التقنيات الحديثة والرقمية التي غالبا ما ترافق الأعمال أو تنسج به، أو من ناحية المضمون الذي ينتقد الأزمات السياسية والآفات الاجتماعية.

يرى هؤلاء المتحمسون أن الفن الحديث على الرغم من أهميته، هو ردة فعل شخصية على واقع ما أو على طريقة التصوير التقليدية السائدة آنذاك، ما يجعله أقل شمولية وأهمية من الفن المعاصر الخارج عن مكانه والمتخطي لزمانه عبر أفكار ومعان يشوبها غموض يصل إلى حدود الإبهام.

يتمّ في العديد من المعارض الدولية إلى وضع الأعمال المصنفة بالفن الحديث والخارجة عن فلك “المعاصرة” في حيز متحفي “نوستالجي”، لا يضم الفن المسمى بالمعاصر على اعتبار أنهما يختلفان عن بعضهما من حيث الطروحات والأساليب وزمن الإنتاج.

ومع ذلك فـ”الفن الحديث” هو الأجدر بأن يعتبر الأشمل إن كان لا بدّ من التصنيف. فهو خلافا للفن المعاصر لا يحتاج في معظمه إلى نصوص مرافقة “تفسره”، بل يكتفي ببصريته ليدل على موضوعه.

إضافة إلى ذلك يبدو اتهام الفن الحديث بأنه أقل أهمية، لأنه ردة فعل شخصية أو ثورة على الموروث متجنيا، وفيه الكثير من الاستخفاف وإلاّ لزم -على سبيل المثال- اعتبار لوحة “الصرخة” للفنان إدوارد مونش تعبيرا عن وجع ضرس ألمّ به شخصيا دون سائر الكائنات، ما يستوجب وضعها في عتمة الأقبية الرطبة.

“الفن الحديث” الذي يعتمد السوريالية والرمزية أو غيرها من الأساليب التعبيرية، انتقد ولا يزال الحروب والعنصرية والدكتاتوريات وغيرها من الآفات المعاصرة.

الفن المعاصر يتكلم عن الهواجس الإنسانية والأحلام والذكريات الفردية ولكن بأساليب مختلفة. فهو فن متعال، لذا وجب على مشاهد الأعمال أن يكون مطلعا، أو حتى متعمقا في أعمال فكرية وفلسفية لكي يفهم العمل.

يشترك هذان النوعان من الفن في مواجهتهما لواقع إنساني يزداد تأزما، ويشتركان في تقديمهما لنص فني قابل للقراءة بأشكال مختلفة.

أما إذا كان التصنيف الزمني، هو ما يهب الفنون قيمتها ويعلي من شأنها، فأيّ حيز خصص لمعنى الفن بشكل عام؟ ربما لذلك يقوم الجدل ولا يهدأ في العالم أجمع على ما يمكن اعتباره فنا أو ظاهرة تافهة يجب تجاهلها.

وإذا كانت الأعمال التشكيلية وخاصة العربية منها، المرسومة على قماش تقليدي مشدود على دعائم خشبية والتي تصور بأساليب إبداعية مختلفة الجرائم التي ترتكب في حق الإنسان ليست “بالأعمال المعاصرة”، فما هي تماما إذن؟

والأهم من ذلك كيف بوسعنا النظر إلى الأعمال التي تنتمي إلى الفن الحديث، مثل لوحة رونيه ماغريت التي تحمل اسم “ابن الإنسان”، حينما نجد صورا لها مرفوعة حديثا في طهران إلى جانب أعمال أخرى من الفن الحديث، بدلا عن الملصقات الإعلانية المناوئة لأميركا؟

أليست خارجة من حدود عصرها، لتشهد بوضوح -فيه قدر كبير من السخرية- على تحوّلات السياسة الإيرانية؟

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر