الجمعة 31 مارس/اذار 2017، العدد: 10588

الجمعة 31 مارس/اذار 2017، العدد: 10588

تطهير القضاء للخروج من حالة 'اللّغْوَصَة'

ثنائية السادة والعبيد مستمرة، وكأن ثورة لم تقم، فالتطهير استعصى على الشرطة والقضاء في تواطؤ لليمين الديني واليمين العسكري.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/05/26، العدد: 9929، ص(8)]

لم أجد كلمة “لَغْوَصَة” في أي من قواميس اللغة، ربما تدرج في قاموس جديد، أو تحديث لاحق لقاموس قديم. الكلمة تشبه “معجنة” على وزن “مفعلة”، وتعني في الاصطلاح المصري الخبط العشوائي باليد أو القدم، غوصا في مادة سائلة، أو عبثا فيها لخلط أشياء لا يصح أن تختلط، أو الخوض في مستنقع لن تتحرك مياهه وتتطهر بخبط يفتقد إلى قوة اندفاع المياه الجارية وطهرها.

منذ استفتاء “الجنة والنار”، 19 مارس 2011، الذي تواطأ فيه على ثورة 25 يناير اليمينان، العسكري والديني بأطيافه ودرجاته من الإخوان إلى التكفيريين، ونحن نتابع حلقات في مسلسل “اللغوصة”. بدلا من مضي الأحداث في طريق ثوري ينادي بعزل النائب العام وتطهير الداخلية والقضاء. شغلنا اليمينان العسكري والديني، بتفاصيل شيطانية حول تعديلات دستورية، في تنازل فادح وفاضح عن نسف دستور انتهى يوم 25 يناير، تحديدا في “جمعة الغضب” 28 يناير 2011.

منذ استفتاء 19 مارس إلى اليوم نعيش تفاصيل جديدة في كابوس مزمن. يوم 8 فبراير 2011 حين امتد ميدان التحرير إلى شارع مجلس الشعب، سمعت المستشار زكريا عبدالعزيز الرئيس السابق لنادي القضاة يخطب في مكبر صغير للصوت، أمام بوابة البرلمان “الثورة مستمرة وتحقق كل يوم مكسبا جديدا”، وتحدث عن مرحلة ما بعد الثورة، واستعرض بعض الإجراءات التفصيلية، منها إلغاء مجلس الشورى، وعدم جدواه لدولة مثل مصر، واقترح دستورا مؤقتا من 15 مادة، يجري العمل به لفترة قصيرة تصل إلى سنة، تجرى خلالها “انتخابات مجلس شعب محترم”.

ستدور الدوائر، وتعاني الثورة صعود اليمينين الحليفين الكارهين للثورة، واحدا بعد الآخر، ويقرر وزير العدل محفوظ صابر إحالة زكـريا عبدالعزيز إلى مجلس الصلاحية والتأديب، ولن يهنأ محفوظ صابر بقراره، ففي 11 مايو 2015 سيجبر على الاستقالة بعد موجة احتجاج على تصريح طبقي، ثم يشكو زكريا عبدالعزيز في مذكرة يوم 17 مايو 2015 طالبا تنحي ممثل النيابة العامة الذي منعه أن يجلس أثناء التحقيق، ثم سبه قائلا “يلعن دينك ودين أمك”، وحاول ضربه.

أداء ممثل النيابة مع قاض جليل كان يوما رئيسا لنادي القضاة، وأداء لواء الشرطة مجدي أبو قمر مدير الأمن في محافظة البحيرة لا يختلف قولا أو فعلا. الأول سب قاضيا وكاد يضربه، والثاني استأسد بين ضباطه يوم 25 فبراير 2011 قائلا لهم وناصحا “ما فيش أي عرص يقدر يقرب منكم.. اللي يمد إيده على سيده لازم ايه؟ ينضرب بالجزمة، واحنا أسيادهم”.

بعض الحسم كاف لإنهاء مرحلة، ليس بقتل دكتاتور أدت سياساته إلى قتل الملايين تجويعا وفقرا، وإنما بمحاكمة ثورية

ثنائية السادة والعبيد مستمرة، وكأن ثورة لم تقم، فالتطهير استعصى على الشرطة والقضاء، في تواطؤ لليمينين الديني والعسكري، وسيقول المستشار أحمد الزند لتوفيق عكاشة وهو لمن لا يعرف مالك قناة تلفزيونية، وهذا شأنه ولكنه يدعي أنه “إعلامي”، ويحتاج إلى طبيب نفسي يتطوع بعلاجه من عدة هلاوس، “نحن هنا على أرض هذا الوطن وغيرنا هم العبيد”.

الزند الذي يفتقد إلى وقار القاضي وحكمته سيصبح يوم 20 مايو 2015 وزيرا للعدل، في جولة جديدة من “اللَّغْوَصَة”، نستدعي فيها شهادة محمد مرسي قبل الانتخابات الرئاسية 2012، حين قال لعماد الدين أديب في لقاء تلفزيوني “المستشار أحمد الزند شخصية محترمة ومقدرة، هو ونادي القضاة، له دور كبير النادي طول عمره، النادي ده اللي وقف قدام التزوير في 2005… القضاة هم ميزان الوطن، وبالتالي لا أوافق بتاتا على الإساءة إليهم”. وبعد انتخاب مرسي رئيسا سيطالب الزند الحرم المكي، وهو يرتدي ملابس الإحرام بأن تكون “الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع”، أما مرسي فسيقول في ذكرى مرور عامين على الثورة، 25 يناير 2013، إن الشرطة كانت في القلب من ثورة 25 يناير، متناسيا أن الثورة لم تكن لتقضي على رأس النظام، حسني مبارك، لولا كسر شوكة الشرطة في جمعة الغضب.

كيف يطمئن مظلوم إلى قاض، وهو يرى القضاة طبقة من الناقمين الغاضبين؟ لماذا لا نعثر على قاض يتواضع ويقرر التنحي عن قضية، لأنه غاضب على متهم، أو بينه وبين متهم خصومة شخصية أو فكرية. في الحديث النبوي “لا يقضي القاضي وهو غضبان مهموم”. وكان عبثا أن ينتقم قاض مما حسبه إهانة من صبي اسمه ياسين (17 عاما) مارس غضبه التلقائي، ردا على قول القاضي “أنت متهم بالاعتداء على 40 من الشرطة، وأحدثت بهم إصابات”، فعلق الصبي “أحا”، وهي كلمة تفيد الإنكار والدهشة. فانفعل القاضي وما كان له أن ينفعل، ونطق بحكم فوري ما كان له لينطق به وهو غضبان، وقضي على الصبي بالسجن ثلاث سنوات.

لا تنجح ثورة وهي تواصل حركتها كقصيدة شعر، بعض الحسم كاف لإنهاء مرحلة، ليس بقتل دكتاتور أدت سياساته إلى قتل الملايين تجويعا وفقرا، وإنما بمحاكمة ثورية. ولكن تواطؤ اليمينين العسكري والديني رفض هذا الخيار، ودخلنا في نفق من مماحكات ومحاكمات جنائية انتهت بجعل 25 يناير مؤامرة، ثم قال المستشار محمود الرشيدي لمبارك ورجاله المتهمين بالقتل، يوم السبت 29 نوفمبر 2014 “عودوا إلى مقاعدكم”، ومنحهم البراءة.

أضاع الإخوان فرصة ذهبية، بالتراجع عن تنفيذ ما وعد به المستشار طلعت عبدالله النائب العام الذي عينه مرسي. قال المستشار في تصريح نشرته صحيفة “الحرية والعدالة” الناطقة باسم الإخوان “مبارك أمام محكمة الثورة قريبا”. وانتهى الأمر بتبرئة المتهمين بالقتل في موقعة الجمل.

مسلسل الأخطاء والتنازلات، الذي بدأ باستفتاء “الجنة والنار” حال دون تطهير الداخلية والقضاء، وأوصلنا إلى مرحلة الزند، وإلى جوار هذا الرجل سيكون محفوظ صابر حملا وديعا. بالمناسبة أذكركم وأذكر نفسي بأن المسكين محفوظ صابر كان وزيرا للعدل.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر