الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

سكرتير 'الشيخ' يحكم غزة بقبضة العنف

إسماعيل هنية: حماس هي الجناح المسلح لجماعة الإخوان في فلسطين، وفوز مرسي برئاسة مصر 'آية ربانية'.

العرب أحمد فايز القدوة [نُشر في 2013/10/05، العدد: 9341، ص(12)]

حكومة هنية متهمة بسن قوانين تؤسس لإمارة إسلامية في قطاع غزة

يعد إسماعيل هنية، الذي يقود الحكومة الفلسطينية المقالة في قطاع غزة منذ يونيو/ حزيران عام 2007، أول رئيس للوزراء ذي توجه إسلامي وصاحب خلفية إخوانية، ورغم اعتداله السياسي إلا أنه لا يملك سلطة قرار فعلي داخل حركة المقاومة الإسلامية «حماس» التي تفرض أجندتها بـ»قوة السلاح وسلطة السجون» على نحو مليون ونصف مليون فلسطيني يعيشون في قطاع غزة، فكيف أصبح السكرتير الشخصي لمؤسس حماس «فجأة» رئيسا للوزراء والرقم الثاني في الحركة الإسلامية بعد خالد مشعل. وكيف قوّض صلاحيات منافسيه داخل حماس وأشرف على تأسيس امبراطورية الأنفاق في القطاع المحاصر.

لم ينس الفلسطينيون لحظة فوز إسماعيل عبد السلام هنية، المولود قبل 51 عاما في مخيم الشاطئ للاجئين بمدينة غزة، في ثاني انتخابات تشريعية تنظم داخل أراضي السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها عام 1994، وذلك لأن حكومته عرفت الكثير من الخلافات والتناقضات داخل الساحة السياسية الداخلية، خاصة بعد أن قبلت الحركة الإسلامية الدخول في منافسة حركة فتح «العلمانية» والقبول بخوض الانتخابات بقوانين اتفاقيات «أوسلو» الشهيرة وأدواتها التي لطالما اتهمت مهندسيها بـ»العمالة لإسرائيل» و»التفريط بالأرض والهوية الوطنية».

صعود مفاجئ في حماس

ساهم وجود هنية قرب المؤسس والزعيم الروحي لحركة حماس أحمد ياسين، بعد أن أفرجت عنه إسرائيل عام 1997 بموجب اتفاق تبادل مع الأردن، في صعوده داخل الحركة الإسلامية، خاصة أنه وقع عليه الاختيار من قبل المكتب السياسي لحماس لأن يكون إلى جانب «الشيخ» في تحركاته ومساعدته في قراءة الرسائل الخاصة والعامة وتدوينها وإبلاغه بكل صغيرة وكبيرة حول مستجدات الأحداث في الساحة الفلسطينية والعربية والدولية. وساهم أيضا في صعود الرجل الاغتيالات الإسرائيلية بين عامي 2002 و2004 والتي طالت أبرز قادة حماس من بينهم أحمد ياسين وصلاح شحادة وإبراهيم المقادمة وإسماعيل أبو شنب وعبدالعزيز الرنتيسي.

ويقول مراقبون إن الاغتيالات الإسرائيلية أحدثت هزة قوية داخل حماس وأربكت حساباتها الداخلية والتنظيمية وإنها ساهمت بشكل كبير في صعود قيادات الصف الثاني والثالث في الحركة إلى دفة القيادة من دون مرورهم بتجارب تمكنهم من سلوك طريق القادة الأوائل.

ولم يُعرف عن هنية الكثير سوى أنه ابن «الجامعة الإسلامية»، التي تعد معقلا مهما لحركة حماس في قطاع غزة، والتي تحصّل منها على إجازة الأدب العربي عام 1987، أي عام انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، والذي شهد أيضا تأسيس حركة حماس على يد أحمد ياسين.

نسج هنية علاقاته التنظيمية مع حماس من خلال الجامعة الإسلامية التي ترعرع فيها وترؤسه للجنة الطلاب القريبة من الإسلاميين، وعضويته للجمعية الإسلامية المنبثقة عن المجمع الإسلامي بغزة، وذلك قبل أن تسجنه إسرائيل لمدة ثلاث سنوات وتنفيه إلى «مرج الزهور» في لبنان عام 1992 بصحبة قادة حماس والجهاد الإسلامي. وبعد عودته إلى غزة إثر اتفاق «أوسلو» عام 1993 تم تعيينه عميدا في الجامعة الإسلامية التي شهدت ولادة أغلب قادة حماس السياسيين والعسكريين.

هنية في السلطة

يرى إسماعيل هنية أن الإنسان المسلم في أدبياته وتربيته يعتبر أن المناصب والمواقع القيادية «تكليف وليست تشريفا» وإنها «أمانة ثقيلة يسأل عنها الإنسان يوم القيامة». لكن منذ قيادته لأول حكومة إسلامية في مارس/ آذار عام 2006 شهدت الأراضي الفلسطينية وتحديدا قطاع غزة اقتتالا داخليا داميا بين كبرى الفصائل الفلسطينية، حيث اندلع الصراع بين حركتي فتح وحماس بعد خلافات عميقة حول العلاقة مع إسرائيل ومستقبل العملية السلمية والصلاحيات والتعيينات الإدارية والحصار المالي الذي فرض على أجهزة السلطة المختلفة فور فوز حماس في انتخابات عام 2006.

اختار هنية المواجهة على المهادنة مع أكبر فصيل فلسطيني يسيطر على الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية عبر الخطابات النارية واللاذعة لقيادات سياسية داخلية، ولأن «أبو العبد»، كما يحلو لأنصاره بمناداته، لا يملك سلطة القرار على الجهاز العسكري لحماس فكان «السلاح» الحاسم الرئيسي لمعركة سياسية بحتة مع حركة فتح. فوقّع هنية على أمر تشكيل قوة تنفيذية عسكرية تعمل بشكل مواز إلى جانب وزارة الداخلية، الأمر الذي فجّر أزمة كبيرة مع حركة فتح التي بدورها أسست مجموعات قتالية للدفاع عن «إرثها» في السلطة الفلسطينية ومواجهة التهديدات التي مثلتها خطوات حماس بالاستيلاء على أول كيان سياسي مستقل يتأسس داخل الأراضي الفلسطينية.

إسماعيل هنية في سطور
*ولد في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين في غزة يوم 29 يناير 1962.

*يعد من القيادات البارزة في حركة حماس.

*سجنته إسرائيل لمدة ثلاثة سنوات عام 1989 ونفته إلى لبنان عام 1991.

*1993 عاد إلى غزة بعد اتفاق أوسلو الشهير.

*عمل سكرتيرا خاصا لمؤسس حركة حماس منذ إطلاق سراحه عام 1997.

*تولى رئاسة وزراء السلطة الفلسطينية يوم 29 مارس 2006.

*هنية يفتخر بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين.

*أقاله الرئيس الفلسطيني من رئاسة الحكومة في منتصف حزيران عام 2007.

*يقود حكومة حماس في قطاع غزة منذ 2007.

استغلال حكومة الوحدة

استغل هنية طوال فترة وجوده على رأس حكومة الوحدة الوطنية، التي شاركت فيها فتح وفصائل منظمة التحرير، منصبه لإبراز برنامجه السياسي الحزبي المغاير لما تم الاتفاق عليه مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، حسب مسؤولين في السلطة وحركة فتح.

ويقول هؤلاء إن هنية كان رئيسا لحكومة تنفذ أجندة حماس المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين وإيران وأنه لم يكن إطلاقا متزنا ووفيا في تطبيق ما تم الاتفاق عليه بخصوص البرنامج السياسي لعمل حكومته. ووجهت الانتقادات لهنية بعد قوله: «أنا شخصيا بصفتي رئيسا للوزراء أتشرف بالانتماء إلى حركة المقاومة الإسلامية حماس»، حيث اعتبرت هذه التصريحات بمثابة إعلان صريح من قبل رئيس حكومة الشعب الفلسطيني بميوله الحزبية وتقديمها على مصالح الفلسطينيين.

وبعد صراع دام مع حركة فتح وسيطرة كتائب عزالدين القسام بالقوة على قطاع غزة في منتصف يونيو/ حزيران عام 2007 وفشل كل محاولات التهدئة الداخلية، أقال الرئيس الفلسطيني رئيس وزرائه من منصبه لفشله في إدارة أول حكومة وحدة وطنية داخل الأراضي الفلسطينية.

ولم تكن حكومة هنية بعد الاقتتال الداخلي بعيدة عن الاتهامات والانتقادات الداخلية والخارجية، فهذه الحكومة أصدرت أوامر مختلفة لتشديد الرقابة على الإنترنت وتقييد الحريات العامة وحرية التعبير وحظرت وسائل الإعلام غير المحسوبة على حماس من العمل في قطاع غزة ومنعت التجمعات الثقافية والفنية المخالفة لرؤيتها السياسية.

وتتهم حكومة هنية بسن قوانين تؤسس لإمارة إسلامية في قطاع غزة، بعد فرض لباس «محتشم» على الطالبات في المدارس والجامعات المختلفة ومنع المرأة من ركوب الدراجات النارية والزج بكل مخالف للرأي في سجون الأمن الداخلي التابعة لها.

واشتهرت فترة حكم هنية لقطاع غزة بازدهار تجارة الأنفاق الموجودة أسفل الحدود الفلسطينية المصرية، التي ساهمت بشكل أساسي في إدخال أسلحة لفصائل المقاومة المختلفة، لكنها في المقابل أضحت «تجارة مربحة» لحماس، حيث أسست مقاصة لاستخلاص الضرائب على المواد الغذائية والتموينية والبترولية والكماليات التي تمر عبر الأنفاق إلى غزة. وأصدر تحت سلطته فتوى تجيز شراء «الدخان الحلال» المهرب من الأنفاق. ولم يعرف القطاع المحاصر، بشهادة من زواره، مشاريع استثمارية «سياحية وترفيهية» بالكم الذي عرفه تحت حكم هنية. لكنهم يقولون إن أغلب هذه المشاريع تعود إلى قيادات بارزة في الحركة الإسلامية.

تحول هنية إلى شخصية رئيسية في حماس، بعد تحجيم دور الرجل القوي فيها محمود الزهار والصراع الطويل على القيادة، ومن العوامل التي ساعدت على وصوله إلى مرتبة قيادية متقدمة داخل تنظيم حماس غياب القيادة السياسية المتمثلة في خالد مشعل وموسى أبو مرزوق في الخارج. واستطاع هنية أن يؤسس كيانا مستقلا تحت سلطته في غزة بمساندة الرجل القوي في كتائب عزالدين القسام أحمد الجعبري الذي اغتالته إسرائيل في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر العام الماضي وبمباركة يوسف القرضاوي الذي يعتبر المرجع الروحي لجماعة الإخوان المسلمين.

ولهنية قصة مثيرة مع القرضاوي، الذي زاره في قطر مرات عديدة، قبل زيارة الأخير إلى قطاع غزة التي سبقت سقوط حكم الإخوان في مصر، حيث أثارت القبلة التي طبعها رئيس وزراء الحكومة الفلسطينية المقالة على يد القرضاوي انتقادات لاذعة لهنية. واعتبرت «قبلة هنية» بمثابة «نوع من الرياء يسيء إلى كرامة الشعب الفلسطيني..».

التنظيم قبل فلسطين

أظهرت الأحداث الداخلية والتجاذبات السياسية بين حركتي فتح وحماس أن معادلة «التنظيم مقابل فلسطين» هي السائدة، حيث لم يخف هنية انزعاجه من سقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر، وذلك عبر مشاركته لأول مرة منذ تسلمه الحكومة في عرض عسكري لكتائب القسام أقيم في مخيم الشاطئ غرب غزة يوم 21 أيلول/ سبتمبر.

وتسبب إسقاط نظام الرئيس الإخواني محمد مرسي بعد انتفاضة 30 يونيو الشعبية في إرباك حماس التي تعتبر نفسها أنها تمتلك الجناح المسلح للجماعة في فلسطين، حسب إعلان إسماعيل هنية في الانطلاقة الـ22 لحماس.

ويبدو أن هنية، الذي أعلن وجود التنظيم المسلح لتنظيم الإخوان المسلمين في فلسطين، اختار أن يعبر عن رفضه لما جرى في مصر عن طريق العروض العسكرية المتواصلة في قطاع غزة. وعلى الرغم من التهدئة «طويلة الأمد» مع إسرائيل، تقول حماس إن هذه العروض لا علاقة لها بالشأن المصري الداخلي.

فهنية استقبل خبر فوز مرسي بانتخابات الرئاسة المصرية باعتباره «آية ربانية نزلت من السماء في ليلة الإسراء والمعراج»، واعتبار وصول مرسي إلى السلطة بمثابة «بشارة من الله لفلسطين والمقاومة والمرابطين في المسجد الأقصى»، لكنه لا يزال يعيش على وقع الصدمة مما حدث في مصر. وقد يعيش قطاع غزة الذي يحكمه بالحديد والنار منذ ست سنوات يوم الحادي عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر المقــبل بداية ثورة على حكم الإخوان في القطاع المحاصر بعد إطلاق «حملة التمــرد على الظلم فــي غزة».

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر