الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

تحرير الثقافة

عملت السلطة والأحزاب على محاولة تكريس ثقافة على صورتها، ولذلك لجأت إلى تأطير العمل الثقافي ضمن هيئات، تربع على عرشها وزراء وكتاب سنوات طويلة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/06/02، العدد: 9936، ص(15)]

المراجعة النقدية للعلاقة المختلة، التي كانت سائدة خلال العقود الماضية بين الثقافة والسياسة، لا تعني الدعوة إلى الفصل بين السياسي والثقافي كما يظن البعض، بل تهدف إلى تحرير الثقافة من هيمنة السياسة واملاءاتها الأيديولوجية. ففي واقعنا الرازح تحت عبء إرث ثقيل من المشاكل والتحديات المتزايدة والمتراكمة، من الصعب الحديث عن ثقافة لا تنشغل بقضايا الإنسان وهمومه وأحلامه وصراعه من أجل الحياة الكريمة.

هذا الموقف النقدي من تلك العلاقة، هو في جوهره موقف من السياسة والثقافة في آن معا، بعد أن عملت القوى المهيمنة على السلطة، ومعها أحزاب اليسار على اختلاف مسمياتها على انتداب نفسها لقيادة تلك المرحلة، باعتبارها حاملة لمشروع التغيير والبناء والتحديث والتحرير، ولذلك خضعت الثقافة فيها كسائر مجالات الحياة الأخرى لهيمنة تلك السلطة، وخطابها السياسي، ما جعل الثقافة محكومة بمحددات وأدوار ووظائف أملتها عليها تلك السلطة.

الكثير من المثقفين الذين وقفوا ضد تلك الممارسات، كانوا من جانب آخر، يعارضونها من خلال خلفيات سياسية وأيديولوجية، تتمثل في أحزاب المعارضة التي أقصاها النظام من مشهد الحياة السياسية، الأمر الذي جعل طابع الصراع بين تلك النخب الثقافية والنظام، يحمل بعدا سياسيا أكثر مما هو صراع ثقافي. لقد كان التناقض في الرؤية الأيديولوجية والسياسية هو الغالب، وفكرة الحرية عند كلا الطرفين ظلت محكومة ببعدها الأيديولوجي والسياسي.

في ضوء ذلك ومن خلاله يأخذ الحديث عن تحرير الثقافي من السياسي والأيديولوجي بعدا آخر، تأخذ فيه الثقافة معنى أكبر وأعمق، ينقذها من الارتهان لهذه السلطة أو تلك، بعد أن اتخذ مفهوم الالتزام خلال تلك العقود مفهوما سلبيا، انعكس تأثيره على تطور الثقافة وتأثيرها في الحياة والمجتمع، بعد أن فشلت تلك القوى والأحزاب في مشروعها السياسي، وظهر عجزها عن تحقيق التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، التي ظلت تبشر بها زمنا طويلا.

لم يلعب المثقفون دور المناهض لتلك الأنظمة، من موقع المسؤولية الثقافية والأخلاقية والوطنية بعيدا عن مرجعيتهم السياسية والأيديولوجية، ما جعل الصراع بينهم يظل محكوما ببعده السياسي والعقائدي، أكثر مما كان محكوما بغايات النضال من أجل خلق فضاء للحرية والإبداع بمعناه الذي يتجاوز تلك المرجعيات ومحدداتها العقائدية.

في المقابل عملت السلطة والأحزاب على محاولة تكريس ثقافة على صورتها، ولذلك لجأت إلى تأطير العمل الثقافي ضمن هيئات، تربع على عرشها وزراء وكتاب سنوات طويلة، ما أدّى إلى شخصنة العمل الثقافي، وتكريس الفساد والمحسوبيات داخلها، وبذلك فقدت الثقافة أي دور تنويري أو إبداعي قادر على الارتقاء بالوعي العام، وتعزيز الفكر النقدي والإبداعي.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر